الموت الصامت يعود إلى البحار: طوربيد أمريكي يعيد حرب الغواصات إلى الواجهة ويغرق سفينة إيرانية قرب سريلانكا
في مشهد يعيد إلى الأذهان حروب القرن العشرين، عادت حرب الغواصات لتفرض نفسها مجددًا في الصراعات الدولية، بعدما أغرق طوربيد أطلقته غواصة أمريكية سفينة حربية إيرانية قبالة سواحل سريلانكا، في حادثة هزت الأوساط العسكرية والسياسية حول العالم. الهجوم، الذي أدى إلى مقتل عشرات البحارة الإيرانيين، كشف اتساع نطاق الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ليشمل مسارح عمليات بعيدة آلاف الكيلومترات عن الشرق الأوسط. وبينما تتطاير الصواريخ والطائرات المسيّرة في سماء المنطقة، جاء هذا الهجوم البحري الصامت ليؤكد أن البحار ما زالت ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الكبرى، وأن الأسلحة التقليدية القديمة مثل الطوربيد لم تفقد دورها في الحروب الحديثة. ويمثل غرق السفينة الإيرانية واحدة من أندر العمليات القتالية التي تستخدم فيها الغواصات الأمريكية الطوربيدات منذ الحرب العالمية الثانية، ما أثار جدلًا واسعًا حول تداعياتها العسكرية والقانونية والاستراتيجية. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز.
هجوم مفاجئ في مياه بعيدة عن ساحة الحرب
وقعت الحادثة في مياه هادئة قبالة سواحل سريلانكا، حيث تعرضت الفرقاطة الإيرانية IRIS Dena لهجوم مفاجئ بطوربيد أطلقته على الأرجح غواصة أمريكية من طراز Los Angeles النووي الهجومي التابعة لقيادة المحيطين الهندي والهادئ.
وعندما وصلت البحرية السريلانكية إلى موقع الحادث استجابة لنداء الاستغاثة، لم تعثر سوى على بقعة زيت واسعة فوق سطح البحر، إضافة إلى عشرات الجثث والناجين. وتشير التقديرات الأولية إلى مقتل ما لا يقل عن 84 بحارًا إيرانيًا، بينما ظل عشرات آخرون في عداد المفقودين.
اللافت أن السفينة الإيرانية كانت تبعد أكثر من أربعة آلاف كيلومتر عن طهران، وكانت في طريق العودة من نشاط بحري دولي استضافته الهند. ومع ذلك، فإن اتساع رقعة الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل جعل من أي سفينة عسكرية إيرانية هدفًا محتملاً أينما وجدت في البحار.

الطوربيد يعود بعد عقود من الغياب
الهجوم الذي أغرق السفينة الإيرانية تم باستخدام طوربيد أمريكي متطور من طراز Mark 48، وهو أحد أقوى الطوربيدات المستخدمة في البحرية الأمريكية. ويعد هذا الحادث أول مرة معروفة تغرق فيها سفينة بواسطة طوربيد أمريكي في قتال فعلي منذ الحرب العالمية الثانية، حين كانت الغواصات تغرق آلاف السفن خلال المعارك البحرية.
الفيديو الذي نشره وزير الدفاع الأمريكي أظهر السفينة الإيرانية من منظور منظار الغواصة، حيث ظهرت حرارة محركاتها وهي تبحر بهدوء قبل أن يهز انفجار هائل هيكلها ويرفعها جزئيًا فوق سطح الماء.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن آخر غواصة أمريكية أغرقت سفينة معادية كانت الغواصة USS Torsk عام 1945 عندما هاجمت سفينة يابانية في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.

حادثة نادرة في تاريخ الحروب البحرية الحديثة
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تُغرق سوى سفينتين فقط باستخدام الطوربيدات في نزاعات عسكرية معروفة. الأولى كانت عام 1971 عندما أغرقت غواصة باكستانية السفينة الهندية INS Khukri خلال الحرب بين البلدين. أما الثانية فكانت في عام 1982 عندما أغرقت الغواصة البريطانية النووية HMS Conqueror الطراد الأرجنتيني ARA General Belgrano خلال حرب فوكلاند.
وبالمقارنة مع تلك الحوادث النادرة، فإن غرق السفينة الإيرانية يمثل عودة لأسلوب قتالي كان يعتقد كثير من الخبراء أنه أصبح جزءًا من التاريخ العسكري، خاصة مع تطور الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أصبحت السلاح الأكثر استخدامًا في الحروب الحديثة.
لكن هذه العملية أظهرت أن الغواصات ما تزال سلاحًا حاسمًا في الصراعات البحرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالضربات المفاجئة التي يصعب اكتشافها أو التصدي لها.

إحراج للهند وقلق في جنوب آسيا
الحادثة لم تكن مجرد تطور عسكري، بل تحولت أيضًا إلى أزمة دبلوماسية في جنوب آسيا. فقد كانت السفينة الإيرانية تشارك في مناورات بحرية متعددة الجنسيات استضافتها الهند تحت اسم Milan 2026، وهي مناورات تهدف لتعزيز التعاون البحري بين الدول.
وشاركت في تلك التدريبات قوات بحرية من عدة دول بينها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والهند. وكان من المفترض أن تكون السفن المشاركة غير مسلحة خلال الحدث الذي تضمن تدريبات رياضية وعمليات مشتركة.
لذلك اعتبر بعض المحللين الهنود أن استهداف السفينة الإيرانية أثناء عودتها من هذه الفعاليات يمثل إحراجًا للهند، خاصة أنها كانت ضيفًا رسميًا على نيودلهي خلال تلك المناورات.
جدل قانوني حول شرعية الهجوم
أثار غرق السفينة الإيرانية جدلًا قانونيًا واسعًا حول شرعية العملية. فبحسب خبراء في القانون الدولي، فإن المسافة الجغرافية من ساحة الحرب لا تمنع قانونيًا استهداف السفن العسكرية إذا كانت الدول المعنية في حالة حرب.
لكن المشكلة القانونية الأكبر تتعلق بشرعية الحرب نفسها. إذ يرى بعض خبراء القانون الدولي أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم تحصل على تفويض من مجلس الأمن الدولي، ولم تثبت واشنطن أنها تعرضت لهجوم مباشر من إيران.
وبالتالي فإن الهجوم قد يكون غير قانوني وفق ميثاق الأمم المتحدة، رغم أنه قد يعتبر قانونيًا وفق قوانين النزاعات المسلحة التي تسمح باستهداف السفن العسكرية التابعة لدولة معادية.

حرب جديدة تتشكل في البحار
الحادثة تؤكد أن طبيعة الحروب الحديثة أصبحت متعددة الجبهات بشكل غير مسبوق. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الصواريخ والطائرات المسيّرة عبر السماء، تعود الغواصات لتلعب دور “القاتل الصامت” في أعماق البحار.
كما أن التجارب الحديثة في أوكرانيا، التي استخدمت الطائرات المسيّرة والصواريخ لإغراق أجزاء كبيرة من الأسطول الروسي في البحر الأسود، أظهرت أن الحروب البحرية تشهد تحولات كبيرة.
لكن غرق السفينة الإيرانية بطوربيد تقليدي يذكر العالم بأن بعض أدوات الحرب القديمة ما تزال قادرة على تغيير مسار المعارك، خاصة عندما تستخدمها قوى بحرية تمتلك أساطيل غواصات متطورة مثل الولايات المتحدة.



