نظام الحزبين في أمريكا يُنقذ ترامب من غضب الناخبين… ودراسة تكشف كيف يختلف “الاحتجاج السياسي” بين واشنطن ولندن

وفقًا لتقرير نشره موقع بوليتيكو، يكشف تحليل جديد لاستطلاعات رأي مشتركة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عن اختلاف جوهري في كيفية تعامل الناخبين في البلدين مع الإحباط السياسي المتزايد. فبينما يميل الناخبون البريطانيون إلى تغيير ولاءاتهم الحزبية بسهولة داخل نظام متعدد الأحزاب، يجد الناخب الأمريكي نفسه محصورًا داخل نظام الحزبين التقليدي، ما يحدّ من قدرته على التعبير عن غضبه السياسي عبر صناديق الاقتراع. ويشير التقرير إلى أن هذا الفارق البنيوي قد يمنح الرئيس الأمريكي Donald Trump ميزة سياسية غير مباشرة، إذ يقلل من احتمالية خسارة قاعدته الانتخابية لصالح أحزاب بديلة، حتى في ظل تزايد الاستياء الشعبي من السياسات الاقتصادية والسياسية في البلاد.
نظام الحزبين الأمريكي… قيدٌ يحد من “ثورة الناخبين”
يبرز التقرير أن البنية السياسية في الولايات المتحدة تجعل الناخبين، حتى الغاضبين منهم، أمام خيارين أساسيين فقط: الديمقراطيون أو الجمهوريون. هذا الوضع يؤدي إلى ما يشبه “تجميد” الحركة الانتخابية، حيث يظل الناخب داخل نفس المعسكر السياسي حتى لو فقد الثقة به.
وبحسب تحليل POLITICO Poll، فإن نسبًا كبيرة من ناخبي ترامب في 2024 ما زالت تخطط للتصويت للحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة، وهو ما يعكس قوة الانتماء الحزبي مقارنة بدول أخرى. هذه الديناميكية تجعل التغيير السياسي في أمريكا أبطأ وأكثر ارتباطًا بنسبة المشاركة، وليس بتبدل الولاءات.
بريطانيا… مشهد سياسي أكثر سيولة وتقلبًا
على النقيض، يوضح التقرير أن النظام السياسي البريطاني يسمح بهجرة واسعة بين الأحزاب، خاصة مع وجود قوى متعددة مثل حزب العمال، المحافظين، الليبراليين الديمقراطيين، وحزب الإصلاح البريطاني.
وتشير البيانات إلى أن نصف ناخبي حزب العمال في انتخابات 2024 فقط يعتزمون التصويت له مجددًا، بينما يتجه جزء منهم إلى أحزاب أخرى أو إلى معسكرات سياسية مختلفة. هذا التحول السريع يعكس طبيعة أكثر مرونة للنظام البرلماني البريطاني، حيث يمكن للإحباط الشعبي أن يتحول مباشرة إلى تغيير في خريطة البرلمان.
ترامب والاستفادة غير المباشرة من النظام السياسي
يرى التقرير أن هذا الاختلاف قد يصب في مصلحة ترامب سياسيًا، إذ إن الناخبين الغاضبين في الولايات المتحدة لا يملكون بدائل واقعية خارج الحزبين الرئيسيين. وبالتالي، فإن الاستياء لا يتحول بسهولة إلى خسارة انتخابية مباشرة، بل غالبًا ما يظهر في شكل انخفاض في الإقبال على التصويت فقط.
ويشير محللون إلى أن Donald Trump استفاد سابقًا من هذا الواقع، إذ نجح في بناء تحالف انتخابي واسع في 2016 و2024 يضم ناخبين مستقلين ومهمشين سياسيًا، وهو تحالف لا يزال يحتفظ بقدر من التماسك رغم تزايد الانتقادات.
أزمة الثقة السياسية في البلدين
تُظهر البيانات أن أزمة الثقة بالطبقة السياسية ليست حكرًا على دولة دون أخرى، إذ إن غالبية الناخبين في الولايات المتحدة وبريطانيا يرون أن السياسيين يعملون لمصالحهم الشخصية أكثر من خدمة المواطنين.
لكن الفرق الأساسي، وفق التقرير، هو أن الناخب البريطاني يترجم هذا الغضب إلى تغيير في الحزب الذي يصوّت له، بينما الناخب الأمريكي غالبًا ما يبقى داخل نفس الإطار الحزبي، حتى مع استمرار الشعور بالإحباط. هذا الفارق يعكس عمق الاختلاف بين نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب ونظام ثنائي شبه مغلق.
ماذا يعني هذا الفارق لمستقبل الانتخابات الغربية؟
يشير التحليل إلى أن مستقبل السياسة في الغرب قد يتحدد بمدى قدرة الأنظمة الانتخابية على استيعاب الغضب الشعبي. ففي الولايات المتحدة، قد يؤدي هذا النظام إلى استمرار الاستقطاب السياسي الحاد دون تغييرات جذرية في الخريطة الحزبية، بينما في بريطانيا قد نشهد مزيدًا من الانقسامات وتفكك الولاءات التقليدية.
أما على المدى الطويل، فقد يواجه كل من النظامين تحديات مختلفة: أمريكا من حيث الجمود الحزبي، وبريطانيا من حيث عدم الاستقرار السياسي، ما يجعل “الغضب الشعبي” قوة محورية لكنها تُترجم بطرق متناقضة تمامًا بين البلدين.



