هل تتخلى أمريكا عن أوروبا؟ تحذير بولندي من اختبار خطير للناتو أمام روسيا

في لحظة أوروبية شديدة الحساسية، فتح رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك بابًا واسعًا من التساؤلات حول مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية داخل حلف الناتو، متسائلًا عما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل “وفية” لتعهداتها الدفاعية تجاه أوروبا في حال تعرض إحدى دول الحلف لهجوم روسي. وجاءت تصريحات توسك في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل القارة من احتمالات تصعيد روسي جديد، بالتزامن مع نقاشات أوروبية متصاعدة حول ضرورة تحويل الاتحاد الأوروبي إلى قوة دفاعية أكثر تماسكًا وقدرة على حماية حدوده الشرقية.
وتحمل تصريحات رئيس الوزراء البولندي دلالة خاصة، لأن بولندا تُعد من أكثر الدول الأوروبية تمسكًا بحلف الناتو وبالعلاقة عبر الأطلسي مع واشنطن، كما أنها من أكبر المنفقين على الدفاع داخل الحلف. لكن توسك أوضح أن المشكلة لم تعد في النصوص والضمانات المكتوبة، بل في مدى قدرة هذه الضمانات على التحول إلى رد عملي وسريع إذا وقع هجوم حقيقي، وفقًا لتقرير نشرته فايننشال تايمز.
سؤال مقلق داخل أوروبا حول التزام واشنطن
قال توسك إن السؤال الأكبر والأكثر أهمية بالنسبة لأوروبا اليوم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لأن تكون وفية كما تصفها معاهدات الناتو. ورغم أنه شدد على أنه لا يشكك بشكل مباشر في المادة الخامسة من ميثاق الحلف، الخاصة بالدفاع الجماعي، فإنه أكد أن القلق الحقيقي يتعلق بتحويل الضمانات النظرية إلى إجراءات عملية على الأرض.
وتعكس هذه التصريحات حالة عدم يقين متزايدة داخل أوروبا، خاصة مع تذبذب المواقف الأمريكية خلال المرحلة الأخيرة بشأن الدفاع عن القارة، وتصاعد الدعوات الأوروبية إلى امتلاك أدوات دفاعية مستقلة وأكثر فاعلية.
تحذير من هجوم روسي خلال أشهر
حذر رئيس الوزراء البولندي من أن احتمال تعرض إحدى دول الحلف لهجوم روسي لم يعد سيناريو بعيدًا، بل قد يكون أقرب مما يتصور كثيرون. وقال إن الحديث يدور عن “أشهر لا سنوات”، في إشارة إلى قلق دول الجناح الشرقي للناتو من أي تحرك عسكري روسي مفاجئ.
ويكشف هذا التحذير عن حجم التوتر الذي تعيشه الدول الأوروبية القريبة من روسيا، خصوصًا بولندا ودول البلطيق، التي ترى أن أي تردد في الرد على موسكو قد يشجعها على اختبار صلابة الحلف.
حادث المسيّرات الروسية يكشف هشاشة الرد الجماعي
استعاد توسك واقعة اختراق نحو 20 طائرة مسيّرة روسية للأجواء البولندية العام الماضي، معتبرًا أنها كانت اختبارًا خطيرًا لجدية الحلفاء. وأشار إلى أن بعض الشركاء داخل الناتو فضّلوا التعامل مع الحادث وكأنه لم يحدث، بدل اعتباره استفزازًا روسيًا منظمًا ضد بولندا.
وبحسب توسك، فإن هذا النوع من التردد يثير قلقًا كبيرًا، لأن موسكو يجب أن تكون واثقة من أن أي تحرك ضد دولة عضو سيقابل برد واضح وصارم وغير قابل للتأويل.
أوروبا تبحث عن تفعيل دفاعها المشترك
تأتي تصريحات توسك بالتزامن مع قمة أوروبية في قبرص، تناقش تفعيل المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وهي المادة الخاصة بالدفاع المتبادل بين دول الاتحاد. ويدور النقاش الأوروبي حول كيفية تحويل هذا البند من نص قانوني إلى آلية عملية تتضمن أدوات عسكرية، وقدرة على نقل القوات، وتنسيقًا سريعًا بين الدول في حال وقوع تهديد مباشر.
وترى دول أوروبية عدة أن الحرب في أوكرانيا أثبتت أن القارة لا تستطيع الاعتماد فقط على الوعود السياسية، وأنها بحاجة إلى قدرات دفاعية حقيقية تشمل التسليح، والتصنيع العسكري، والبنية التحتية المشتركة، وأنظمة مواجهة الطائرات المسيّرة.
بولندا تطالب بضمانات عملية لا وعود ورقية
رغم أن بولندا تُعد من أقرب الحلفاء الأوروبيين لواشنطن، فإن توسك أكد أن قوة العلاقة مع الولايات المتحدة لا تكفي وحدها إذا لم تتحول إلى قدرة عملية وقت الأزمة. وقال إن واشنطن تتعامل مع بولندا باعتبارها من أفضل وأقرب الحلفاء في أوروبا، لكنه تساءل عن معنى ذلك عمليًا إذا وقع هجوم فعلي.
وتنفق بولندا نسبة كبيرة من ناتجها المحلي على الدفاع، وتدفع باتجاه تعزيز الجبهة الشرقية للناتو، لكنها في الوقت نفسه تريد تأكيدًا واضحًا بأن أي اعتداء روسي سيقابل برد جماعي سريع، لا بنقاشات سياسية طويلة.
نحو إعادة بناء الأمن الأوروبي
يرى توسك أن المهمة الأساسية الآن هي “إعادة دمج أوروبا” دفاعيًا، بما يعني بناء جهد مشترك لحماية الحدود الشرقية، وتطوير قدرات عسكرية أوروبية تجعل القارة أقل هشاشة أمام أي اختبار روسي محتمل.
وتشير تصريحاته إلى أن الحرب في أوكرانيا غيّرت التفكير الأمني الأوروبي بعمق، بعدما دفعت دول الاتحاد إلى زيادة إنفاقها العسكري، وتوسيع التنسيق في إنتاج الأسلحة، والبحث عن مشاريع دفاعية مشتركة في مجالات مثل الدفاع الجوي ومواجهة المسيّرات.
اختبار حاسم لمستقبل الناتو
تكشف تصريحات رئيس الوزراء البولندي أن القلق الأوروبي لم يعد محصورًا في قوة روسيا فقط، بل يمتد إلى مدى تماسك الغرب نفسه عند لحظة الاختبار. فالناتو لا يقوم فقط على القدرات العسكرية، بل على الثقة السياسية بأن أي اعتداء على دولة عضو سيُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع.
ومع تصاعد التحذيرات من احتمال مواجهة جديدة على الحدود الشرقية لأوروبا، تبدو القارة أمام مرحلة فاصلة: إما تحويل تعهداتها الدفاعية إلى قوة عملية قابلة للتنفيذ، أو البقاء أسيرة ضمانات مكتوبة قد لا تكفي وحدها لردع موسكو في لحظة الأزمة.



