الجارديان: ترامب والحرب… هل تحول “أميركا أولاً” إلى إمبراطورية؟

تحولت صورة دونالد ترامب من مرشح معارض للحروب إلى رئيس يفتن بالقوة العسكرية، وتدفعه الانتصارات السهلة إلى توسيع نطاق العدوان. هذا التحول ليس استثناءً في التاريخ الأمريكي، بل جزء من نمط متكرر: كلما ابتعدت الولايات المتحدة عن “جرح فيتنام” وازدادت نجاحاتها العسكرية، ارتفع “سُكر النصر” لدى القادة، وتضاعفت رغبتهم في استخدام القوة كأداة للهيمنة. اليوم، ومع تصاعد هجماته على دول مثل إيران وفنزويلا، وتهديده بالاستحواذ على غرينلاند، يبدو أن ترامب يسير على نفس منحنى الرؤساء السابقين الذين سقطوا في فخ “الحروب السريعة”، قبل أن تتكشف تكلفة التدخلات العسكرية. السؤال الآن ليس فقط عن مآلات هذه السياسات، بل عن مدى قدرتها على إعادة تشكيل النظام الدولي وتفكيك قواعد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما قد يدفع العالم إلى بناء توازنات جديدة خارج النفوذ الأمريكي.
1) “إدمان الحرب”.. من فيتنام إلى ترامب
تظهر التجربة الأمريكية أن الرؤساء الذين يخوضون حروبًا ناجحة دون تكبد خسائر كبيرة يميلون إلى التوسع في استخدام القوة لاحقًا. بعد فيتنام، كان “كارتر” آخر رئيس امتنع عن إرسال قوات، لكن مع تراجع أثر تلك الهزيمة، بدأت الإدارات التالية تستعيد جرأة التدخلات. ترامب اليوم يعكس هذا النمط بوضوح: حروب قصيرة وبمقاومة ضعيفة، تُترجم في الإعلام والشارع على أنها “انتصارات”، ما يغذي رغبة الرئيس في مزيد من المغامرات العسكرية.

2) “الحروب القصيرة” كأداة دعاية
خلال رئاسته الأولى، اعتمد ترامب على هجمات سريعة تُظهر القوة دون الدخول في صراعات طويلة. كان هذا الأسلوب مشابهًا لسياسات ريغان في الثمانينيات، حين اختار “مسرحيات عسكرية” مثل غرينادا وليبيا لتقديم صورة حاسمة عن أمريكا. لكن هذا النوع من الحروب لا يخلق حلولًا، بل يُبقي المشكلات معلقة، ويُحوّل القوة إلى أداة “استعراض” سياسي داخلي، بدل أن تكون وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية واضحة.
3) “من بوابة النجاح إلى بوابة التوسع”
عندما يحقق الرئيس انتصارات دون ثمن يُذكر، يزداد إغراءه لتوسيع نطاق التدخلات. هكذا حدث مع جورج بوش الأب بعد بنما ثم الكويت، ثم مع جورج بوش الابن بعد أفغانستان، قبل أن ينهار ذلك الطموح في العراق. ترامب يكرر السيناريو ذاته اليوم، لكن بمعدلات أسرع: ضربات متكررة في عدة دول، دون مقاومة حقيقية، ما يعزز اعتقاده بأن القوة الأمريكية لا تُقهر، وأن العالم يتسع لإرادته.

4) “أميركا أولاً” تتحول إلى “أمريكا فوق الجميع”
المفارقة الكبرى أن شعار “أميركا أولاً” الذي كان يُفهم على أنه رفض للحروب، تحول عند ترامب إلى تبرير للتدخلات تحت عنوان تحقيق مصالح أمريكية مباشرة. لم يعد الهدف نشر الديمقراطية أو حماية الأمن القومي، بل تحقيق هيمنة بلا قيود. وهذا ما يفسر تصاعد الحديث عن تغيير أنظمة مثل إيران وكوبا، وحتى الاستحواذ على غرينلاند، كأن العالم ملكية يُمكن أن تُستولى عليها بالقوة.
5) التحالفات تتصدع… وبدائل جديدة تتشكل
العدوان الأمريكي المتكرر بدأ يثير ردود فعل حقيقية لدى الحلفاء. الدول الأوروبية بدأت تتجه نحو تقليل الاعتماد على واشنطن، وتبحث عن شراكات اقتصادية وسياسية بديلة، أبرزها مع الصين. هذا التحول يعكس أن سياسة ترامب لا تضعف الخصوم فقط، بل تضعف أيضًا شبكة التحالفات التي شكلت أساس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. وفي حال استمر التصعيد، قد تتحول العلاقات الدولية إلى نظام أكثر انقسامًا وخطورة.

6) “النتيجة المحتملة”… حرب تقود إلى انهيار
لا يمكن فصل سياسة ترامب العسكرية عن تدهور شعبيته داخليًا، إذ يعتقد كثيرون أن عليه التركيز على الاقتصاد بدل “مغامرات خارجية”. ومع ذلك، يبدو أن الرئيس يرى في القوة العسكرية طريقًا لإعادة بناء صورته، ما قد يدفعه إلى مزيد من التصعيد. التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تُعزز الرؤساء فقط، بل قد تدمرهم أيضًا. وفي ظل تصاعد التوترات الدولية، فإن خطر أن تتحول هذه السياسة إلى سلسلة أزمات لا تنتهي يبقى مرتفعًا، ما قد يجر العالم إلى مرحلة أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى.
اقراء أيضاً:
الجارديان: مصير أعلى جنرال صيني.. صراع على السلطة أم فساد؟



