عُمان في مرمى التصعيد: تهديدات ترامب تُشعل أزمة غير مسبوقة في الخليج
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، تجد سلطنة عُمان نفسها في قلب واحدة من أكثر الأزمات حساسية في الخليج خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية واتساع تداعياتها الإقليمية. التقرير يكشف كيف تحولت عُمان من وسيط هادئ تقليدي بين الطرفين إلى طرف مثير للجدل في حسابات إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعد تهديدات مباشرة وصلت إلى التلويح باستهدافها عسكريًا، وهو ما اعتُبر تحولًا خطيرًا في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه حليف خليجي تاريخي. وتزامن ذلك مع توتر متصاعد في المنطقة بسبب الحرب الجارية والخلافات حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وبينما تحاول مسقط الحفاظ على نهجها الدبلوماسي القائم على التوازن، تجد نفسها اليوم أمام ضغوط متزايدة من واشنطن وانتقادات من بعض العواصم الخليجية، في وقت تتغير فيه ملامح التوازن الإقليمي بوتيرة سريعة.
تهديدات غير مسبوقة تكسر قواعد العلاقة
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب جدلًا واسعًا بعدما ألمح بشكل مباشر إلى إمكانية استخدام القوة ضد عُمان إذا لم تلتزم بسياسات محددة تتعلق بالأزمة الإقليمية. هذا التصعيد الخطابي اعتبره مراقبون نقطة تحول خطيرة في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وسلطنة عُمان، التي لطالما احتفظت بعلاقات استراتيجية مستقرة مع واشنطن. ورغم أن البعض اعتقد في البداية أن التصريحات خرجت في سياق انفعالي، إلا أن تطور الموقف لاحقًا أظهر أن الأمر يرتبط بخلافات أعمق حول الدور العُماني في التهدئة بين الأطراف المتصارعة، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل السياسة الأمريكية في الخليج.
عُمان بين الوساطة التقليدية وضغوط الاصطفاف
لطالما لعبت سلطنة عُمان دور الوسيط الهادئ بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، محافظًة على قنوات اتصال مفتوحة مع الطرفين حتى في أشد فترات التوتر. لكن الحرب الحالية وضعت هذا الدور في اختبار صعب، حيث باتت بعض الأطراف تعتبر الحياد العُماني موقفًا غير واضح في ظل استقطاب إقليمي حاد. وتشير المعطيات إلى أن مسقط تحاول الحفاظ على توازن دقيق يمنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من التصعيد، لكنها في المقابل تواجه ضغوطًا متزايدة تدفعها إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا، وهو ما يتعارض مع فلسفتها الدبلوماسية التقليدية.

مضيق هرمز بؤرة الصراع الاقتصادي والعسكري
يُعد مضيق هرمز أحد أكثر النقاط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز. ومع تصاعد الحرب، تعرضت حركة الملاحة لضغوط كبيرة أدت إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاع في أسعار الطاقة عالميًا. ويشير التقرير إلى أن عُمان ناقشت مقترحات تتعلق بفرض رسوم خدمات على السفن العابرة، وهو ما أثار غضبًا في واشنطن. هذا الملف يكشف أن الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل تحول إلى معركة اقتصادية على طرق التجارة العالمية، ما يجعل أي تغيير في قواعد المرور داخل المضيق ذا تأثير مباشر على أسواق الطاقة الدولية.
انقسامات خليجية تتسع ومواقف متباينة
تفاقمت الخلافات داخل المنطقة الخليجية مع تباين مواقف الدول تجاه الحرب ودور عُمان فيها. فبينما تتبنى بعض الدول نهجًا أكثر تشددًا تجاه إيران، تتمسك مسقط بخطاب يقوم على التهدئة وتجنب التصعيد. هذا التباين أدى إلى تصاعد التساؤلات حول مدى انسجام الموقف الخليجي المشترك، خاصة في ظل اتهامات غير مباشرة لعُمان بأنها تقترب أكثر من طهران مقارنة بجيرانها. ومع استمرار الأزمة، يبدو أن الانقسام السياسي في الخليج مرشح للتوسع، ما يعقد فرص التوصل إلى موقف إقليمي موحد.
مكاسب اقتصادية وسط عاصفة سياسية
رغم التوترات المتصاعدة، استفادت عُمان اقتصاديًا من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، حيث تحولت موانئها إلى بدائل رئيسية في حركة الشحن الإقليمي. ومع تعطل بعض المسارات البحرية في مناطق أخرى، ارتفعت أهمية السلطنة كمركز لوجستي حيوي. كما سجلت بعض المؤشرات الاقتصادية نموًا في الإيرادات خلال فترات الأزمة، ما يعكس تحولًا غير متوقع في موقعها داخل الاقتصاد الإقليمي. إلا أن هذه المكاسب تبقى محاطة بمخاطر سياسية كبيرة قد تؤثر على استدامتها في حال استمرار التصعيد.
زاوية تحليلية: إلى أين يتجه المشهد؟
تكشف هذه التطورات أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى، حيث لم يعد الحياد خيارًا آمنًا حتى للدول التي اعتادت لعب دور الوسيط. التصعيد بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية يضع عُمان أمام معادلة معقدة: الحفاظ على دورها الدبلوماسي من جهة، وتجنب الضغوط والتهديدات من جهة أخرى. السيناريوهات المحتملة تتراوح بين احتواء الأزمة عبر تفاهمات غير معلنة، أو انزلاق تدريجي نحو مزيد من التوتر الذي قد يضعف دور الوساطة العُمانية ويزيد من حالة الاستقطاب الإقليمي.
اقرأ ايضَا: أزمة الطاقة التي قد تُسقط هيمنة الغرب: كيف تدفع حرب الخليج العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؟



