تعرض مصفاة نفط في موسكو لأكبر غارة جوية أوكرانية على المدينة منذ بداية الحرب.
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق بعدما نفذت أوكرانيا أكبر هجوم جوي بالطائرات المسيّرة ضد العاصمة الروسية موسكو منذ بدء الغزو الروسي الشامل عام 2022، مستهدفة واحدة من أهم مصافي النفط في البلاد، ما أدى إلى اندلاع حرائق واسعة وتعليق حركة الطيران وإخلاء أجزاء من أكبر مطارات روسيا.
ويأتي الهجوم في وقت تتبادل فيه موسكو وكييف الضربات بعيدة المدى بوتيرة متصاعدة، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وصف العملية بأنها رد مباشر على الهجمات الروسية الأخيرة التي استهدفت مواقع دينية وتاريخية في العاصمة كييف، مؤكدًا أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار القصف الروسي
ويعكس هذا التطور تحولًا لافتًا في طبيعة الحرب، حيث أصبحت العمق الروسي هدفًا مباشرًا لهجمات أوكرانية قادرة على إرباك البنية التحتية للطاقة والاقتصاد، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في الصراع المستمر منذ أكثر من أربع سنوات.
ضربة موجعة تستهدف شريان الطاقة في العاصمة الروسية
تركز الهجوم الأوكراني على مصفاة “كابوتنيا” النفطية الواقعة جنوب شرق موسكو، والتي تعد من أهم المنشآت الاستراتيجية في روسيا، إذ توفر نحو 40% من احتياجات العاصمة من البنزين وما يقارب نصف استهلاكها من وقود الديزل. وأظهرت مقاطع مصورة تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان من موقع المصفاة بعد إصابتها للمرة الثانية خلال أقل من يومين، في مؤشر على أن كييف تسعى إلى تعطيل قدرتها التشغيلية بشكل كامل.
كما اضطرت السلطات الروسية إلى وقف الحركة على بعض الطرق الرئيسية المحيطة بالمصفاة، بينما هرعت فرق الطوارئ لمحاولة السيطرة على الحرائق ومنع امتدادها إلى منشآت أخرى، في واحدة من أكبر الضربات التي تطال قطاع الطاقة الروسي منذ بداية الحرب.

تعليق الرحلات وإرباك العاصمة بعد اختراق الدفاعات الروسية
لم يقتصر تأثير الهجوم على المنشآت النفطية، بل امتد إلى قطاع النقل الجوي، حيث أعلنت السلطات الروسية تعليق الرحلات الجوية وإخلاء أجزاء من مطار شيريميتيفو، أكبر مطارات موسكو، إضافة إلى اضطرابات في مطاري فنوكوفو وجوكوفسكي
كما تحدث مسؤولون روس عن أضرار لحقت بمبانٍ سكنية ومنشآت صناعية ومراكز تجارية في محيط العاصمة، في حين أكدت وزارة الدفاع الروسية اعتراض مئات الطائرات المسيّرة خلال الهجوم، رغم أن عددًا منها تمكن من اختراق الدفاعات والوصول إلى أهدافه. ويعكس هذا التطور تحديًا متزايدًا لقدرات الدفاع الجوي الروسي في مواجهة الهجمات بعيدة المدى التي أصبحت أكثر دقة وتنظيمًا.
زيلينسكي: الحرب ستصل إلى موسكو إذا استمرت الهجمات على أوكرانيا
في أول تعليق له عقب العملية، أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا لا تسعى إلى توسيع دائرة الحرب، لكنها ستواصل الرد على الهجمات الروسية طالما استمرت موسكو في استهداف المدن الأوكرانية. وقال إن الضربة جاءت ردًا على القصف الذي ألحق أضرارًا جسيمة بدير بيشيرسك لافرا التاريخي في كييف، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، والذي تعرض لهجوم صاروخي أدى أيضًا إلى سقوط قتلى وجرحى
وأضاف أن إنهاء الحرب يتطلب وقف العدوان الروسي، داعيًا الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى مواصلة تقديم الدعم العسكري وفرض عقوبات أكثر صرامة على قطاعي الطاقة والدفاع الروسيين.
تصعيد متبادل يثير دعوات روسية للرد بقوة
أثار الهجوم الأوكراني ردود فعل غاضبة داخل روسيا، حيث دعا عدد من السياسيين والعسكريين المتشددين إلى تنفيذ رد عسكري واسع ضد أوكرانيا، بل طالب بعضهم بالنظر في استخدام الأسلحة النووية التكتيكية إذا استمرت الضربات على العمق الروسي
كما تزامن الهجوم مع استمرار روسيا في شن غارات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مدن أوكرانية عدة، من بينها كييف وسومي، ما أدى إلى سقوط قتلى ودمار واسع في البنية التحتية. ويؤكد هذا التصعيد المتبادل أن الحرب دخلت مرحلة تعتمد بشكل متزايد على استهداف المنشآت الحيوية ومراكز الطاقة، بدلًا من التركيز فقط على خطوط القتال التقليدية.

ماذا يعني هذا التصعيد؟ وما السيناريو المتوقع؟
يمثل الهجوم الأوكراني على موسكو تحولًا استراتيجيًا مهمًا في مسار الحرب، إذ يبرهن على أن كييف باتت تمتلك قدرات هجومية بعيدة المدى تمكنها من ضرب أهداف حساسة داخل الأراضي الروسية، وهو ما يزيد الضغوط العسكرية والاقتصادية على موسكو. كما أن استهداف منشآت النفط يهدد بإرباك إمدادات الوقود وتقليص عائدات الطاقة التي تعتمد عليها روسيا في تمويل عملياتها العسكرية.
وفي المقابل، قد يدفع هذا التطور الكرملين إلى تصعيد هجماته الجوية ضد المدن الأوكرانية أو استهداف مزيد من البنية التحتية الحيوية. ويرى مراقبون أن استمرار هذا النهج من الجانبين سيجعل فرص التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة، مع ازدياد احتمالات توسع المواجهة وارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في أوروبا خلال المرحلة المقبلة



