فايننشال تايمز: كيف ستقاتل أوروبا بدون أمريكا

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تشهد العواصم الأوروبية تحولًا غير مسبوق في التفكير العسكري والاستراتيجي،
مع تزايد المخاوف من احتمال تراجع الدور الأمريكي داخل حلف شمال الأطلسي في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبينما يسعى قادة أوروبا إلى الحفاظ على تماسك الحلف، بدأت الحكومات والجيوش الأوروبية مناقشة سيناريو كان يُعد قبل عام واحد فقط غير قابل للتصور،
وهو كيفية الدفاع عن القارة دون الاعتماد على القيادة العسكرية الأمريكية أو القدرات القتالية الضخمة التي شكلت العمود الفقري للحلف لعقود.
وتأتي هذه المراجعات في وقت تتزايد فيه المخاوف من استغلال روسيا لأي فراغ أمني، بينما تسعى أوروبا إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية،
وتطوير عقيدة قتالية جديدة تتلاءم مع طبيعة الحروب الحديثة التي كشفتها الحرب في أوكرانيا.
تراجع الثقة في واشنطن يغير حسابات أوروبا
يؤكد التقرير أن الأشهر الماضية شهدت تراجعًا واضحًا في ثقة الحكومات الأوروبية باستعداد الولايات المتحدة للدفاع عن حلفائها،
وهو ما دفع القادة الأوروبيين إلى دراسة خيارات لم تكن مطروحة سابقًا، أبرزها تحمل مسؤولية الأمن الأوروبي بصورة أكبر.
وترى دوائر دبلوماسية وعسكرية أن استمرار الخلافات مع إدارة ترامب بشأن الإنفاق الدفاعي والحرب في إيران جعل احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا أكثر واقعية، الأمر الذي فرض على القارة مراجعة شاملة لاستراتيجيتها الدفاعية.

نحو عقيدة عسكرية أوروبية جديدة
تدور المناقشات داخل أوروبا حول إعادة صياغة أسلوب إدارة الحروب،
بحيث يعتمد بدرجة أقل على النموذج الأمريكي القائم على القوة النارية الكاسحة،
ويتجه إلى حلول أكثر مرونة تعتمد على التكنولوجيا والأسلحة منخفضة التكلفة والإنتاج السريع.
كما يناقش القادة العسكريون تطوير هياكل القيادة الأوروبية داخل حلف الناتو،
وزيادة الاعتماد على القدرات الذاتية في مجالات الاستطلاع والدفاع الجوي والاستخبارات،
تحسبًا لأي تراجع مستقبلي في الدعم الأمريكي.

الحرب الأوكرانية تعيد رسم مفاهيم القتال
يشير التقرير إلى أن الحرب في أوكرانيا أحدثت تحولًا كبيرًا في الفكر العسكري الغربي، بعدما أثبتت الطائرات المسيّرة والأنظمة منخفضة التكلفة قدرتها على إبطاء تقدم القوات التقليدية وإحداث تأثير واسع في ساحات القتال.
وتسعى جيوش أوروبا إلى الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في دمج الطائرات المسيّرة مع أنظمة الاستشعار والذكاء الاصطناعي،
مع التأكيد على أن الحروب المستقبلية ستتطلب مزيجًا من الدبابات والأسلحة التقليدية والتقنيات الحديثة، وليس الاعتماد على نوع واحد من القدرات العسكرية.

الإنفاق الدفاعي لا يكفي وحده
رغم الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري بعدد من الدول الأوروبية، يرى مسؤولون وخبراء أن التمويل وحده لن يكون كافيًا لسد الفجوة التي قد يتركها أي انسحاب أمريكي، خاصة في مجالات القيادة والسيطرة والاستخبارات والتزود بالوقود والدفاع الجوي.
وتبرز ألمانيا ودول شمال أوروبا بين أكثر الدول زيادة في الإنفاق الدفاعي،
بينما لا تزال فرنسا وبريطانيا أقل من المستويات المستهدفة،
وهو ما يثير تساؤلات حول سرعة جاهزية أوروبا لتحمل مسؤوليات أمنها بالكامل.

أوكرانيا وتركيا شريكان في إعادة التسليح
يلفت التقرير إلى أن أوروبا تنظر بصورة متزايدة إلى أوكرانيا باعتبارها مصدرًا مهمًا للخبرات العسكرية والصناعات الدفاعية، بعدما نجحت كييف في تطوير أسلحة منخفضة التكلفة بسرعة كبيرة خلال الحرب.
كما يرى مسؤولون أن الصناعات الدفاعية التركية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم برامج إعادة التسليح الأوروبية، بفضل قدرتها على إنتاج معدات عسكرية متطورة بتكلفة أقل مقارنة بالعديد من البدائل الغربية.

ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريوهات المقبلة؟
يكشف هذا التحول أن أوروبا بدأت الاستعداد لمرحلة قد تصبح فيها أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة في حماية أمنها،
وهو تغير استراتيجي قد يعيد تشكيل مستقبل حلف شمال الأطلسي والعلاقات الأمنية عبر ضفتي الأطلسي.
وخلال الفترة المقبلة، من المتوقع أن تتسارع برامج التسلح الأوروبية، مع تعزيز التعاون العسكري بين الدول الأوروبية وتوسيع الشراكات مع أوكرانيا وتركيا. وفي الوقت نفسه،
ستظل قدرة أوروبا على تنفيذ هذه الرؤية مرتبطة بحجم التمويل،
وسرعة تطوير الصناعات الدفاعية، ومدى نجاحها في بناء قيادة عسكرية أكثر استقلالًا داخل الحلف دون إحداث انقسام مع الولايات المتحدة.
اقراء أيضاً:
إدارة ترامب تستدعي صحفيين من نيويورك تايمز أمام هيئة محلفين كبرى بعد تقرير عن طائرة الرئاسة الجديدة



