اتهامات بالاغتصاب خلف أسوار القواعد الأمريكية.. تثير عاصفة من الجدل حول العدالة
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تتصاعد التساؤلات في بريطانيا بشأن آلية محاكمة العسكريين الأمريكيين المتهمين بارتكاب جرائم على الأراضي البريطانية.
بعدما كشفت امرأتان بريطانيتان عن تفاصيل صادمة لتجربتهما مع أحد أفراد القوات الجوية الأمريكية، الذي واجه اتهامات بالاغتصاب والاعتداء الجنسي، قبل أن يتلقى المحاكمة داخل قاعدة عسكرية أمريكية بدلًا من المثول أمام القضاء البريطاني.
ويعيد هذا الملف فتح النقاش حول الاتفاقيات القانونية المنظمة لوجود القوات الأمريكية في المملكة المتحدة، ومدى قدرة الضحايا على الحصول على محاكمة عادلة، خاصة بعدما أكدت المرأتان أن إجراءات المحكمة العسكرية كانت قاسية نفسيًا.
بالإضافة إلى أن هيئة المحلفين تشكلت بالكامل من عسكريين يعملون مع المتهم، في قضية أثارت اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، وأعادت الجدل حول استقلالية القضاء العسكري الأمريكي في القضايا التي تقع خارج الولايات المتحدة.
من التحقيق البريطاني إلى المحكمة العسكرية الأمريكية
بدأت القضية عندما أبلغت شابة بريطانية الشرطة التي تعرضت لاعتداء جنسي داخل منزل أحد أفراد القوات الجوية الأمريكية في مقاطعة سوفولك عام 2020.
وفور ذلك بدات تباشر الشرطة البريطانية التحقيق وجمع الأدلة وإخضاع الضحية لفحوصات طبية متخصصة.
وبالرغم من ذلك بعد أقل من شهر، انتقلت الولاية القضائية إلى القوات الجوية الأمريكية بناءً على طلب الجانب الأمريكي، وهو ما أدى إلى خروج القضية من نطاق المحاكم البريطانية وانتقالها إلى محكمة عسكرية داخل قاعدة لاكينهيث.
وهذا الأمر غيّر بالكامل مسار المحاكمة والإجراءات القانونية التي خضعت لها القضية.

اتهامات متشابهة من امرأتين ضد العسكري الأمريكي
وخلال سير التحقيقات، توسعت القضية بعد ظهور اتهامات مماثلة من الزوجة السابقة للعسكري الأمريكي، التي أكدت تعرضها لاعتداءات جنسية متكررة أثناء زواجهما، بينها واقعة قالت إنها رفضت خلالها إقامة علاقة جنسية لكنه تجاهل رفضها وأجبرها على ذلك.
المتهم نفى جميع الاتهامات، مؤكدًا أن العلاقات كانت برضا الطرفين، إلا أن المحكمة العسكرية أدانته في واقعة واحدة تتعلق باعتداء جنسي دون موافقة الزوجة السابقة.
وعلى النقيض من ذلك برأته من عشرات الاتهامات الأخرى المرتبطة بالمرأتين، بما في ذلك اتهامات الاغتصاب والاعتداءات الأخرى.
شهادات مؤلمة داخل محكمة أثارت الانتقادات
كشفت المرأتان أن المثول أمام المحكمة العسكرية كان من أكثر التجارب قسوة في حياتهما.
وأوضح كلًا منهما أنهما اضطرتا للإدلاء بشهادتيهما في مواجهة مباشرة مع المتهم.
والذي تم دون وسائل الحماية التي توفرها المحاكم البريطانية عادة لضحايا الجرائم الجنسية والاغتصاب.
كما أشارت إحدى الضحيتين إلى أنها علمت قبل بدء المحاكمة بفترة قصيرة أن هيئة المحلفين تتكون بالكامل من عسكريين يعملون داخل المؤسسة نفسها التي ينتمي إليها المتهم.
نتج عن ذلك لديها مخاوف كبيرة بشأن حياد المحاكمة وعدالة الإجراءات.
وخاصة مع شعورها بأن البيئة العسكرية لا تمنح الضحايا الشعور بالأمان الكافي أثناء الإدلاء بشهاداتهن.
رسائل إلكترونية لعبت دورًا حاسمًا في الإدانة
بحسب التقرير، كان العنصر الأكثر تأثيرًا في القضية هو وجود رسائل متبادلة بين المتهم وزوجته السابقة، تضمنت اعترافًا ضمنيًا بأنه لم ينكر سماعها تطلب منه التوقف.
إلا أنه اعتبر أنها لم تكن جادة في رفضها، ومن ثم رأت الزوجة السابقة أن هذه الرسائل كانت السبب الرئيسي وراء صدور الإدانة الوحيدة.
وأكدت أنها تعتقد أن القضية كانت ستنتهي بالبراءة الكاملة لولا وجود هذا الدليل الرقمي.
وخاصة أن معظم الوقائع الأخرى اعتمدت على أقوال الضحايا في مواجهة إنكار المتهم.
القضية تعيد الجدل حول القضاء العسكري الأمريكي في بريطانيا
لم تكن هذه القضية الوحيدة التي أثارت الانتقادات.
وأشارت الصحيفة إلى أنها تأتي بعد قضية أخرى لضابط أمريكي اتُهم بارتكاب جرائم داخل بريطانيا وخضع أيضًا لمحاكمة عسكرية بدلًا من القضاء البريطاني.
ونتيجة لذلك قام سياسيين بريطانيين بالمطالبة بمراجعة كيفية التعامل مع هذه القضايا.
وتزايدت الدعوات داخل الأوساط السياسية والحقوقية لإعادة النظر في آليات نقل الاختصاص القضائي إلى المحاكم العسكرية الأمريكية.
وسط تساؤلات بشأن مدى تحقيق العدالة لضحايا الاغتصاب.
عندما تتم المحاكمات داخل قواعد عسكرية مغلقة يصعب على الجمهور ووسائل الإعلام متابعتها بشكل كامل.

ماذا تعني هذه القضية؟ وما السيناريوهات المتوقعة؟
تعكس هذه القضية التحديات القانونية التي تنشأ عند وقوع جرائم يُتهم فيها أفراد من القوات الأمريكية المتمركزة خارج بلادهم.
وكذلك تبرز التعقيدات المرتبطة بتوزيع الاختصاص القضائي بين الدولة المضيفة والولايات المتحدة، وهو ملف يثير نقاشًا متكررًا في عدد من الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية.
وخلال الفترة المقبلة، قد تتزايد الضغوط السياسية داخل بريطانيا لإعادة تقييم الاتفاقيات المنظمة لهذه المحاكمات.
مع احتمال المطالبة بضمانات أكبر لحقوق الضحايا وشفافية الإجراءات القضائية.
كما يمكن أن تؤدي التغطية الإعلامية المتواصلة إلى فتح نقاش أوسع حول فعالية نظام المحاكم العسكرية في القضايا الجنائية.
بالإضافة لتلك التي تقع خارج الأراضي الأمريكية، ومدى توافقه مع معايير العدالة التي تطبقها المحاكم المدنية.



