أوروبا تكسر قواعدها الاقتصادية.. مليارات الدعم الحكومي تهدد بتفجير السوق الأوروبية من الداخل
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تشهد أوروبا تحولًا اقتصاديًا غير مسبوق بعدما بدأت دول الاتحاد الأوروبي في ضخ عشرات المليارات من اليورو لدعم شركاتها وصناعاتها المحلية، في محاولة لمواجهة المنافسة الصينية الشرسة وأزمات الطاقة المتلاحقة التي ضربت القارة منذ الحرب الروسية الأوكرانية وحتى التصعيد الأخير في الشرق الأوسط.
التقرير يكشف أن بروكسل خففت بشكل ملحوظ القيود التاريخية المفروضة على الدعم الحكومي، وهو ما فتح الباب أمام موجة إنفاق ضخمة تقودها ألمانيا وفرنسا لإنقاذ الصناعات الثقيلة والطاقة والتكنولوجيا الخضراء. لكن هذا التحول يثير مخاوف عميقة داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، إذ يحذر خبراء وشركات من أن تتحول هذه السياسة إلى قنبلة تهدد وحدة السوق الأوروبية، عبر منح الدول الكبرى أفضلية ساحقة على حساب الاقتصادات الأصغر. وبينما ترى بعض الحكومات أن الدعم الحكومي أصبح ضرورة للبقاء في سباق عالمي تهيمن عليه الصين والولايات المتحدة، يخشى آخرون أن تدخل أوروبا عصر الاقتصاد الموجه الذي يعتمد على أموال الدولة بدلًا من المنافسة الحرة.

أوروبا تغيّر عقيدتها الاقتصادية القديمة
لعقود طويلة، كان الاتحاد الأوروبي يُعد من أكثر التكتلات الاقتصادية تشددًا ضد الدعم الحكومي المباشر للشركات، باعتباره تهديدًا للمنافسة الحرة داخل السوق الموحدة. لكن الأزمات المتلاحقة غيّرت هذا التفكير جذريًا. بداية من جائحة كورونا، مرورًا بأزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية الأخيرة، أصبحت الحكومات الأوروبية أكثر استعدادًا للتدخل المالي المباشر لإنقاذ الصناعات الاستراتيجية.
الأرقام التي كشفها التقرير تؤكد حجم التحول؛ إذ أنفقت دول الاتحاد الأوروبي خلال عام 2024 نحو 168 مليار يورو على أشكال مختلفة من الدعم الحكومي، وهو رقم يعادل قرابة 1% من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي. هذا الإنفاق لم يعد يُنظر إليه كإجراء طارئ فقط، بل بدأ يتحول إلى سياسة اقتصادية دائمة تهدف لحماية الصناعات الأوروبية من الانهيار أمام المنافسين العالميين.
ألمانيا وفرنسا تقودان معركة الدعم
ألمانيا وفرنسا برزتا كأكبر المستفيدين من تخفيف قواعد الدعم الحكومي، مستغلتين قوتهما المالية الضخمة لحماية شركاتهما الصناعية. ألمانيا وحدها استحوذت على نحو ربع إجمالي الدعم الحكومي الأوروبي خلال عام واحد، خاصة لدعم قطاعات الصلب والطاقة والصناعات الثقيلة التي تضررت بشدة بعد توقف الغاز الروسي الرخيص.
شركات كبرى مثل سالزغيتر الألمانية للصلب تؤكد أن التحول نحو الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات الكربونية أصبح مستحيلًا دون دعم حكومي ضخم. وتقول إدارات تلك الشركات إن تكاليف التحول البيئي أصبحت تهدد استمرارها، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة الأوروبية مقارنة بالصين والولايات المتحدة. لذلك بدأت برلين في تقديم إعفاءات ودعم مباشر لفواتير الكهرباء والصناعة، ما أثار غضب دول أوروبية أصغر ترى أن المنافسة أصبحت غير عادلة.
انقسام أوروبي ومخاوف من تفكك السوق الموحدة
في المقابل، تتصاعد مخاوف داخل الاتحاد الأوروبي من أن تؤدي هذه السياسات إلى تفتيت السوق الأوروبية الموحدة التي تُعد أهم إنجاز اقتصادي للقارة. دول الشمال الأوروبي وهولندا والسويد ترى أن الدعم الحكومي الواسع يمنح الأفضلية للدول الأكثر ثراءً، ويخلق بيئة استثمارية غير متوازنة تدفع الشركات إلى الانتقال نحو الدول القادرة على تقديم إعانات أكبر.
شركات صناعية أوروبية بالفعل بدأت تعترف بأن قرارات الاستثمار لم تعد تعتمد فقط على البنية التحتية أو العمالة، بل على حجم الدعم الحكومي المتاح. بعض الشركات أوضحت أن فرنسا وألمانيا أصبحتا أكثر جذبًا للمشروعات بسبب المساعدات السخية، بينما تعجز دول أخرى عن مجاراة هذا الإنفاق. هذه الفجوة قد تؤدي مستقبلًا إلى تركّز الصناعات الكبرى داخل عدد محدود من الاقتصادات الأوروبية القوية.
الصين وأميركا تدفعان أوروبا نحو اقتصاد الدولة
التقرير يشير إلى أن أوروبا لا تتحرك في فراغ، بل تحت ضغط عالمي متزايد. الصين تعتمد منذ سنوات على دعم حكومي هائل لصناعاتها، خاصة السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والصلب، ما سمح للشركات الصينية بإغراق الأسواق العالمية بأسعار منخفضة. وفي الولايات المتحدة، أطلقت إدارة واشنطن حزم دعم ضخمة عبر قانون خفض التضخم لدعم التصنيع الأخضر وجذب الاستثمارات.
أمام هذا الواقع، بدأ كثير من القادة الأوروبيين يعتبرون أن التمسك الصارم بقواعد المنافسة القديمة أصبح نوعًا من الانتحار الاقتصادي. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أبرز الداعمين لفكرة حماية الأبطال الصناعيين الأوروبيين، معتبرًا أن أوروبا كانت الوحيدة تقريبًا التي ترفض حماية شركاتها المحلية بينما يفعل الجميع العكس.
أزمة الطاقة تتحول إلى سلاح اقتصادي
ملف الطاقة أصبح محورًا أساسيًا في معركة الدعم الحكومي الأوروبية. فبعد الحرب الأوكرانية، أنفقت الحكومات الأوروبية مئات المليارات لدعم أسعار الكهرباء والغاز ومنع انهيار الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. ألمانيا وحدها خصصت أكثر من 150 مليار يورو لدعم الطاقة خلال الأزمة.
لكن المشكلة أن كثيرًا من الخبراء يرون أن الحكومات الأوروبية أصبحت تعتمد على الدعم المالي بدلًا من إصلاح جذور الأزمة، مثل تطوير شبكات الطاقة أو زيادة الاستثمارات الإنتاجية طويلة الأجل. كما يحذر اقتصاديون من أن استمرار الدعم لفترات طويلة قد يؤدي إلى إضعاف كفاءة الشركات الأوروبية، وتحويلها إلى كيانات تعتمد على أموال الحكومات بدلًا من الابتكار والمنافسة.
ماذا يعني هذا التحول؟.. والسيناريو المتوقع
التحول الأوروبي نحو سياسة الدعم الحكومي المكثف يعكس دخول العالم مرحلة اقتصادية جديدة تقوم على الحماية الصناعية بدلًا من العولمة المفتوحة التي سيطرت لعقود. القارة الأوروبية باتت مقتنعة بأن المنافسة مع الصين والولايات المتحدة لم تعد ممكنة دون تدخل مباشر من الدولة.
لكن السيناريو الأخطر يتمثل في احتمال انقسام الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا بين دول تملك القدرة على الإنفاق الضخم وأخرى تعاني ماليًا، ما قد يخلق توترات سياسية واقتصادية داخلية تهدد تماسك الاتحاد نفسه. وفي حال استمرار الأزمات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، فمن المتوقع أن تتوسع برامج الدعم بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة، ما يعني أن أوروبا قد تدخل فعليًا عصر الاقتصاد المدعوم بصورة غير مسبوقة منذ عقود.



