حرب ترامب مع إيران تعيد قراصنة الصومال إلى البحار وتهدد التجارة العالمية بأزمة جديدة

وفقًا لتقرير نشرته مجلة تايم الأميركية، بدأت الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران في إحداث تداعيات غير متوقعة بعيدًا عن الخليج العربي، بعدما استغل قراصنة الصومال انشغال القوات الغربية في الشرق الأوسط للعودة بقوة إلى واحدة من أخطر مناطق الملاحة البحرية في العالم. وتشير تقارير أمنية واستخباراتية بحرية إلى ارتفاع ملحوظ في عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية منذ مارس الماضي، وسط مخاوف من عودة أزمة القرصنة التي أرعبت التجارة العالمية خلال العقد الماضي.
وبحسب بيانات دولية، تم تسجيل عدة عمليات اختطاف وهجمات على سفن تجارية خلال الأشهر الأخيرة، بينما تتوقع شركات الأمن البحري تصاعد النشاط الإجرامي بشكل أكبر خلال النصف الثاني من العام الحالي. ويرى خبراء أن تركيز الولايات المتحدة وحلفائها على المواجهة مع إيران وحماية الملاحة قرب مضيق هرمز خلق فراغًا أمنيًا في منطقة القرن الأفريقي، منح القراصنة فرصة ذهبية لإعادة بناء شبكاتهم وشن هجمات جديدة ضد السفن التجارية وناقلات النفط.

القراصنة يستغلون انشغال الغرب بالحرب
التقرير أشار إلى أن التصعيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط دفع واشنطن وحلفاءها إلى تحويل جزء كبير من القدرات البحرية والاستخباراتية نحو الخليج العربي وبحر العرب، ما أدى إلى تراجع التركيز على عمليات مكافحة القرصنة قرب الصومال.
وأكد محللون أمنيون أن هذا التحول جعل مراقبة التحركات المشبوهة في مياه القرن الأفريقي أكثر صعوبة، خاصة مع تقليص الموارد العسكرية المخصصة لحماية خطوط الملاحة الدولية في المنطقة.
ويرى خبراء أن القراصنة الصوماليين أدركوا سريعًا أن ميزان المخاطرة تغير لصالحهم، خصوصًا مع تراجع احتمالات الملاحقة العسكرية المباشرة مقارنة بالسنوات الماضية.
عودة موسم القرصنة إلى البحار

بحسب شركات الاستخبارات البحرية، شهدت الأشهر الأخيرة ارتفاعًا واضحًا في عدد الهجمات ومحاولات الاختطاف، حيث تم تسجيل ما لا يقل عن 18 حادثة مرتبطة بالقرصنة منذ بداية العام، وهو رقم يفوق إجمالي حوادث العام الماضي بالكامل.
كما أشار التقرير إلى أن المنطقة تدخل حاليًا ما يُعرف بـموسم القرصنة، وهي الفترة التي تهدأ فيها الرياح الموسمية وتصبح ظروف البحر أكثر ملاءمة لتحركات القوارب المسلحة.
ويتوقع خبراء الأمن البحري أن ترتفع الهجمات بشكل أكبر بين سبتمبر ونهاية العام، خاصة إذا استمر انشغال القوى الغربية بالأزمة الإيرانية والتوترات في الشرق الأوسط.
الصومال ما يزال عاجزًا عن المواجهة
التقرير أوضح أن الحكومة الصومالية لا تمتلك حتى الآن القدرات الكافية للسيطرة الكاملة على السواحل الممتدة أو مواجهة شبكات القرصنة بمفردها، وهو ما يجعلها تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأميركي والبريطاني في مجالات المراقبة البحرية والاستخبارات.
ويرى متخصصون في الأمن الدولي أن ضعف مؤسسات الدولة في الصومال واستمرار الأزمات الداخلية يوفران بيئة مناسبة لعودة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والقرصنة.
كما أن التوترات الإقليمية الحالية تمنح هذه الجماعات فرصة لإعادة تنظيم نفسها بعيدًا عن الضغوط الدولية التي كانت تواجهها خلال السنوات الماضية.
مخاوف من ارتباط القراصنة بالتنظيمات المسلحة
أحد أخطر التحذيرات الواردة في التقرير يتعلق بإمكانية استخدام عائدات القرصنة في تمويل جماعات متطرفة تنشط في المنطقة، وعلى رأسها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وأشار التقرير إلى وجود مخاوف أمنية من تنامي الروابط بين الجماعات المسلحة في الصومال والحوثيين في اليمن، خاصة مع استمرار الفوضى الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب.
ويرى محللون أن أي توسع في نشاط القرصنة قد يتحول من مجرد تهديد اقتصادي إلى خطر أمني إقليمي واسع، خصوصًا إذا استُخدمت الأموال الناتجة عن عمليات الاختطاف في تمويل شبكات التهريب والسلاح والتنظيمات المسلحة.
التجارة العالمية قد تدفع الثمن
الخبراء يحذرون من أن عودة القرصنة الصومالية لن تؤثر فقط على السفن وأطقمها، بل قد تنعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.
ففي ذروة أزمة القرصنة السابقة، قُدرت الخسائر الاقتصادية العالمية بنحو 18 مليار دولار سنويًا نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والحماية البحرية وتأخير سلاسل الإمداد.
ومع استمرار الأزمات في البحر الأحمر والخليج العربي، قد تؤدي أي موجة جديدة من القرصنة إلى رفع أسعار النقل البحري والطاقة والسلع الاستهلاكية حول العالم، وهو ما قد يضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد العالمي المتوتر أصلًا.
ماذا يعني هذا التصعيد للعالم؟
عودة القراصنة إلى سواحل الصومال تكشف كيف يمكن للحروب الإقليمية الكبرى أن تخلق فراغات أمنية خطيرة في مناطق أخرى من العالم.
كما تعكس الأزمة الحالية هشاشة الأمن البحري العالمي واعتماد التجارة الدولية على استقرار عدد محدود من الممرات البحرية الحساسة.
ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التهديدات البحرية العالمية، مع انتقال جزء من الفوضى الأمنية إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
السيناريو المتوقع خلال الفترة المقبلة
إذا استمرت القوات الغربية في تركيز جهودها العسكرية حول إيران ومضيق هرمز، فمن المرجح أن يشهد الساحل الصومالي مزيدًا من الهجمات خلال الأشهر المقبلة.
كما قد تضطر شركات الشحن العالمية إلى رفع تكاليف التأمين وتغيير بعض خطوط الملاحة لتجنب المناطق الخطرة، ما سيؤثر مباشرة على حركة التجارة العالمية وأسعار السلع.
وفي المقابل، قد تدفع المخاوف المتزايدة الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة تعزيز الوجود البحري قرب القرن الأفريقي لمنع تحول القرصنة إلى أزمة دولية جديدة تهدد الاقتصاد العالمي.



