فضيحة الصفقات العسكرية في أوروبا: الآنديان اللذان يملكان حق تعطيل صفقات تسليح ألمانيا بـ25 مليار يورو

وفقًا لتقرير نشرته الفايننشال تايمز، يبرز داخل منظومة إعادة التسلح الأوروبية عنصر غير متوقع يتمثل في عضوين في البرلمان الألماني يشتركان في الاسم نفسه أندرياس، لكنهما أصبحا يمتلكان تأثيرًا استثنائيًا على واحدة من أكبر ميزانيات الدفاع في أوروبا. فهذان النائبان، أندرياس ماتفيلدت وأندرياس شفارتس، يتمتعان بصلاحيات برلمانية تتيح لهما الموافقة أو تعطيل أي صفقة تسليح تتجاوز قيمتها 25 مليون يورو، في وقت تضخ فيه ألمانيا مئات المليارات لتحديث جيشها. ويكشف التقرير كيف تحولت هذه السلطة الرقابية إلى نقطة قوة سياسية حساسة، تثير جدلًا واسعًا داخل الحكومة والجيش وصناعة الدفاع، خاصة مع تسارع خطط إعادة تسليح برلين بعد حرب أوكرانيا. وبينما يرى البعض أن هذا النظام يمثل ضمانة ديمقراطية ضرورية لمنع الهدر والفساد، يعتبره آخرون عائقًا يبطئ تسليح الجيش في لحظة أمنية حرجة.
ثنائي الأندرياس: قوة برلمانية تتحكم في مليارات الدفاع
داخل البوندستاغ الألماني، لا تُدار كل قرارات التسليح عبر وزارة الدفاع فقط، بل يملك عدد محدود من النواب سلطة حاسمة في مصير الصفقات الكبرى. أندرياس ماتفيلدت وأندرياس شفارتس، وهما عضوان في لجنة الموازنة، أصبحا فعليًا بوابة العبور الإلزامية لأي عقد عسكري تتجاوز قيمته 25 مليون يورو. هذا الدور غير الشائع يجعل قراراتهما مؤثرة على مشاريع قد تصل قيمتها إلى مليارات، وهو ما أكسبهما داخل البرلمان لقب الآنديان. ومع تسارع الإنفاق الدفاعي الألماني إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب الباردة، تحولت مواقفهما إلى عامل حاسم في تأخير أو تعديل أو إلغاء صفقات استراتيجية.

جذور النظام: رقابة تاريخية تعود إلى الثمانينيات
تعود هذه الصلاحيات الاستثنائية إلى إصلاحات تشريعية أُقرت عام 1981، حين قرر البرلمان الألماني تعزيز رقابته على الجيش بعد جدل واسع حول تجاوزات مالية في برامج تسليح سابقة. ومنذ ذلك الوقت، أصبح أي عقد دفاعي يتجاوز عتبة مالية محددة بحاجة إلى موافقة لجنة الموازنة. هذا النظام يعكس أيضًا فلسفة ألمانية أعمق منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، تقوم على جعل الجيش تحت السيطرة البرلمانية لضمان عدم عودة عسكرة الدولة. لذلك، فإن تدخل النواب في تفاصيل الصفقات ليس استثناءً بل جزء من البنية الدستورية للدولة، حتى وإن أصبح اليوم محل جدل بسبب حجم الإنفاق الضخم وسرعة التحديات الأمنية.
تدخلات مثيرة للجدل في صفقات التسليح

خلال الأشهر الأخيرة، اتخذ النائبان مواقف أكثر صرامة تجاه وزارة الدفاع، حيث عطّلا أو عدّلا عدة عقود كبرى. فقد رفضا تمرير صفقات بمئات الملايين دون مناقصات تنافسية، وقلّصا سقف تمويل مشاريع طائرات مسيّرة هجومية، بل وأوقفا شراء معدات لوجستية بعد اكتشاف تضاعف أسعارها مقارنة بسنوات سابقة. هذه التدخلات أثارت استياء داخل المؤسسة العسكرية، التي ترى أن التأخير في الموافقات يضر بسرعة تحديث الجيش في ظل التهديدات المتزايدة. في المقابل، يبرر النواب مواقفهم بأن دورهم يتمثل في حماية المال العام وضمان عدم تمرير صفقات مبالغ في قيمتها أو غير شفافة.

جدل داخل الحكومة وصناعة السلاح
أصبح نفوذ لجنة الموازنة موضوعًا حساسًا داخل الحكومة الألمانية وقطاع الصناعات الدفاعية. فبينما يرى مسؤولون أن النظام يضمن رقابة ضرورية على الإنفاق، يصفه آخرون بأنه عائق بيروقراطي يبطئ عملية إعادة التسلح. شركات السلاح، من جانبها، تعتبر أن تدخل البرلمان أحيانًا يحول دون تنفيذ عقود بسرعة كافية في سوق دفاعي شديد التنافس. كما أثيرت مخاوف من احتمال تأثير جماعات الضغط على بعض النواب، خاصة مع تدفق استثمارات ضخمة إلى قطاع الدفاع الأوروبي. هذا التوتر يعكس صراعًا أوسع بين الحاجة إلى السرعة في التسليح ومتطلبات الشفافية والرقابة الديمقراطية.
ما الذي يعنيه هذا النفوذ لأوروبا؟
تكشف حالة الآنديان عن معادلة معقدة داخل أوروبا: فبينما تسعى الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى تسريع إعادة التسلح في مواجهة التهديدات الروسية، لا تزال القيود الديمقراطية الصارمة تتحكم في القرار العسكري. هذا يعني أن أي خطة دفاعية كبرى قد تصطدم بعقبات سياسية داخلية حتى قبل أن تواجه تحديات خارجية. السيناريو المتوقع خلال السنوات المقبلة قد يشهد محاولة لإعادة تعديل صلاحيات لجنة الموازنة، إما لتوسيع سقف العقود دون تدخل برلماني مباشر، أو لإعادة تعريف دور الرقابة بشكل أكثر مرونة. لكن في المقابل، قد يواجه ذلك مقاومة سياسية قوية من مؤيدي الشفافية البرلمانية.



