ثورة مدفعية أمريكية جديدة: واشنطن تعتمد قذيفة أوروبية تضرب أهدافًا على بعد 70 كيلومترًا وتعيد تشكيل ميزان الحرب البرية

اتخذ الجيش الأمريكي خطوة استراتيجية مهمة في تطوير قدراته المدفعية عبر التعاقد على إنتاج نسخة أمريكية من قذيفة مدفعية أوروبية متقدمة قادرة على ضرب أهداف على مسافة تصل إلى 70 كيلومترًا (حوالي 43 ميلًا). وتأتي هذه الخطوة ضمن برنامج التحديث العسكري الأمريكي الذي يركز على تعزيز الضربات الدقيقة بعيدة المدى، في ظل تصاعد التهديدات الحديثة وتغير طبيعة ساحات القتال في النزاعات الكبرى.
ويعكس هذا القرار تحولًا لافتًا في فلسفة التسليح الأمريكية، حيث لم تعد واشنطن تعتمد فقط على تطوير أنظمة جديدة بالكامل من الصفر، بل باتت تميل إلى تبني تقنيات مجربة لدى الحلفاء الأوروبيين وتسريع إدخالها إلى الخدمة. ويُنظر إلى هذه القذيفة، المشتقة من نظام فولكانو 155، باعتبارها نقلة نوعية في قدرات المدفعية التقليدية، إذ تجمع بين المدى الطويل والدقة العالية في سلاح واحد قابل للاستخدام من أنظمة المدفعية القياسية.

قذيفة أوروبية تتحول إلى سلاح أمريكي
القذيفة الجديدة تعتمد على تصميم أوروبي طورته شركات دفاعية في ألمانيا وإيطاليا، حيث تم اختبارها ميدانيًا ضمن جيوش الناتو خلال السنوات الماضية. ويقوم الجيش الأمريكي الآن بتكييف هذا النظام ليصبح جزءًا من ترسانته، عبر شراكة مع شركة جنرال دايناميكس وشركات أوروبية متخصصة في أنظمة التسليح المتقدم.
وتكمن أهمية هذا التطوير في أنه يختصر سنوات طويلة من البحث والتطوير، إذ إن النسخة الأصلية من القذيفة أثبتت فعاليتها بالفعل في الخدمة الفعلية لدى جيوش أوروبية. وبالتالي فإن اعتمادها يقلل المخاطر التقنية ويتيح تسريع الإنتاج والتسليح، وهو عامل بالغ الأهمية في ظل تسارع سباق التسلح العالمي.
مدى غير مسبوق للمدفعية التقليدية
تُعد القدرة على ضرب أهداف على مسافة 70 كيلومترًا تحولًا جذريًا في أداء المدفعية عيار 155 ملم، التي لا يتجاوز مداها في معظم الذخائر التقليدية 30 كيلومترًا تقريبًا. أما النسخ المطورة ذات المدى الممتد فتصِل عادة إلى حدود 40 كيلومترًا، مما يجعل القذيفة الجديدة قفزة نوعية في هذا المجال.
ويمنح هذا المدى القوات الأمريكية قدرة على تغطية مساحات واسعة من ساحة المعركة، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف استراتيجية دون الحاجة إلى الاقتراب من خطوط المواجهة. كما يقلل ذلك من مخاطر استهداف المدفعية نفسها عبر نيران مضادة من الخصم، وهو ما يعزز من مرونة الانتشار التكتيكي للقوات البرية.
تقنية توجيه مزدوجة ترفع مستوى الدقة
تعتمد القذيفة على نظام توجيه مزدوج يجمع بين الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) ونظام الليزر شبه النشط في المرحلة النهائية من الطيران. هذا الدمج يسمح للقذيفة بالوصول إلى منطقة الهدف بدقة عالية، ثم الانقضاض على الهدف بعد توجيهه بواسطة شعاع ليزري من الأرض أو الجو.
وتكمن أهمية هذا النظام في قدرته على التعامل مع الأهداف المتحركة، وليس فقط الثابتة، ما يفتح الباب أمام استخدامه ضد المركبات العسكرية أو الوحدات المتحركة في ساحة المعركة. كما أن وجود بدائل توجيه متعددة يجعل القذيفة أكثر مقاومة للتشويش الإلكتروني، وهو عامل حاسم في الحروب الحديثة التي تعتمد بشكل متزايد على الحرب السيبرانية والإلكترونية.
سباق تسلح مرتبط بحرب أوكرانيا
يشير التقرير إلى أن الحرب في أوكرانيا لعبت دورًا مباشرًا في تسريع تطوير هذا النوع من الأسلحة، حيث أظهرت النزاعات الحديثة أهمية امتلاك قدرات ضرب دقيقة بعيدة المدى. فقد برزت المدفعية والأنظمة الصاروخية كعناصر حاسمة في استهداف خطوط الإمداد ومراكز القيادة في العمق.
وبناءً على ذلك، تعمل الولايات المتحدة على تعزيز ترسانتها ضمن استراتيجية أوسع تشمل تطوير صواريخ بعيدة المدى إلى جانب الذخائر المدفعية الذكية. ويهدف هذا النهج إلى منح الجيش الأمريكي قدرة على التفوق النيراني في أي صراع محتمل، خاصة في البيئات التي تتمتع فيها الخصوم بقدرات تشويش أو دفاع جوي متقدمة.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
يمثل اعتماد قذيفة فولكانو الأوروبية في النسخة الأمريكية تحولًا مهمًا في صناعة الدفاع الغربية، حيث يعكس تزايد الاعتماد على التعاون الصناعي بين الولايات المتحدة وحلفائها بدلًا من العمل المنفرد. كما يشير إلى اتجاه متسارع نحو تطوير أسلحة دقيقة بعيدة المدى تعتمد على تقنيات مدمجة بدلًا من الذخائر التقليدية غير الموجهة.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التطور إلى زيادة كبيرة في قدرات المدفعية الأمريكية خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا تم توسيع الإنتاج ونشر القذيفة على نطاق واسع داخل وحدات الجيش. كما قد يدفع هذا الإنجاز دولًا أخرى إلى تسريع برامجها المماثلة، ما يعزز سباق تطوير الذخائر الذكية طويلة المدى عالميًا ويعيد تشكيل توازن القوى في ساحات القتال المستقبلية.



