بريطانيا تضخ الملايين لتسريع التسلح الذكي..خمس أولويات تشكل مستقبل الابتكار العسكري
كشفت وزارة الدفاع البريطانية عن مرحلة جديدة في استراتيجية تطوير قدراتها العسكرية، وفقًا لتقرير نشرته مجلة ديفينس بلوغ،
عبر تحديد خمس أولويات رئيسية ستوجه استثمارات هيئة الابتكار الدفاعي البريطانية خلال السنوات المقبلة، مدعومة بميزانية سنوية مخصصة تتجاوز 536 مليون دولار.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية،
بينما تسعى لندن إلى تقليص الفجوة الزمنية بين تطوير التقنيات داخل المختبرات وإدخالها إلى ساحات العمليات العسكرية.
وتمثل هذه الخطة تحولًا مهمًا في طريقة إدارة الابتكار الدفاعي داخل المملكة المتحدة،
إذ تهدف إلى تجاوز التعقيدات البيروقراطية التي لطالما أعاقت اعتماد التقنيات الحديثة،
مع فتح المجال أمام الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية للمشاركة بصورة أكبر في تطوير القدرات العسكرية المستقبلية،
بما يعزز جاهزية القوات المسلحة البريطانية لمواجهة التهديدات المتغيرة في بيئة أمنية تزداد تعقيدًا.
هيئة موحدة لتسريع الابتكار العسكري
أوضحت وزارة الدفاع البريطانية أن هيئة الابتكار الدفاعي البريطانية أصبحت الجهة المركزية المسؤولة عن تطوير الابتكار العسكري، بعد دمج عدد من الهيئات والمؤسسات التي كانت تعمل بصورة منفصلة في السابق.
ويأتي هذا الدمج تنفيذًا لتوصيات المراجعة الاستراتيجية للدفاع، التي خلصت إلى أن منظومة الابتكار العسكري البريطانية كانت تعاني البطء وارتفاع مستوى الحذر في اعتماد التقنيات الجديدة،
رغم امتلاك البلاد قاعدة بحثية متقدمة واستثمارات متزايدة في التكنولوجيا الحديثة.
ويهدف هذا الهيكل الجديد إلى تسهيل انتقال الأفكار من مراكز الأبحاث إلى الاستخدام العسكري الفعلي، بما يختصر الزمن اللازم لتطوير المعدات وإدخالها إلى الخدمة، ويمنح القوات المسلحة قدرة أكبر على مواكبة التطورات المتسارعة في طبيعة الحروب الحديثة.
خمس أولويات ترسم مستقبل التكنولوجيا الدفاعية
حددت الهيئة خمس ركائز رئيسية ستوجه جميع الاستثمارات المستقبلية،
تشمل الأنظمة الذاتية، وتعزيز سرعة اتخاذ القرار، والدعم اللوجستي، وتحقيق التأثير العملياتي، إضافة إلى الحماية.
وتركز الأنظمة الذاتية على تطوير معدات تستطيع تنفيذ المهام دون تدخل بشري مباشر،
سواء في البر أو البحر أو الجو أو الفضاء، بينما تستهدف أولوية تعزيز القرار استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والاتصالات الآمنة والأمن السيبراني لتحويل المعلومات إلى قرارات عسكرية سريعة وفعالة.
أما الدعم اللوجستي فيركز على تحسين إمدادات القوات والمعدات الطبية والطاقة والمواد المتقدمة،
في حين تهدف أولوية التأثير إلى تطوير منظومات تسليح دقيقة وتقنيات منخفضة التكلفة يمكن نشرها على نطاق واسع،
بينما تركز الحماية على مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة وتعزيز وسائل الرصد والتمويه والدفاع متعدد الطبقات.
ميزانية غير مسبوقة لاختبار جدية الحكومة
خصصت الحكومة البريطانية ميزانية سنوية ثابتة لا تقل عن 536 مليون دولار لتمويل الهيئة الجديدة،
وهو رقم يعتبره محللون اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام لندن بإحداث تغيير جذري في منظومة الابتكار الدفاعي.
وتشير التقديرات إلى أن المبادرات السابقة كانت تعمل بموارد أقل بكثير،
وهو ما تسبب في بقاء العديد من المشروعات الواعدة داخل مرحلة الاختبارات دون انتقالها إلى الخدمة العسكرية الفعلية.
ويرى خبراء الدفاع أن نجاح الهيئة الجديدة سيعتمد بصورة كبيرة على قدرتها في تحويل التمويل إلى معدات وتقنيات جاهزة للاستخدام الميداني خلال فترات زمنية قصيرة مقارنة بالآليات التقليدية للتعاقد العسكري.
تعاون أوسع مع الشركات الناشئة والصناعة الوطنية
أكد مسؤولو وزارة الدفاع أن الهيئة الجديدة ستعمل بصورة مباشرة مع الشركات الناشئة والشركات سريعة النمو،
بهدف استثمار التقنيات المحلية ذات الاستخدامين المدني والعسكري.
كما أوضحت الوزارة أن هذه السياسة لا تستهدف فقط تطوير القدرات القتالية،
بل تهدف أيضًا إلى دعم الاقتصاد الوطني عبر توسيع قطاع الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
وإلى جانب الهيئة الجديدة، تم إنشاء فرق متخصصة للاستجابة السريعة للمشكلات العملياتية،
إضافة إلى فرق إقليمية مهمتها اكتشاف الشركات والمشروعات البحثية الواعدة في مختلف أنحاء البلاد، بدلًا من التركيز على الشركات الدفاعية التقليدية فقط.
الابتكار العسكري يتحول إلى ركيزة اقتصادية
يمثل قطاع الدفاع البريطاني أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، إذ يوفر أكثر من 430 ألف فرصة عمل،
وتسعى الحكومة إلى استثمار برنامج الابتكار الجديد لتعزيز الصناعات ذات الاستخدام المزدوج،
التي يمكن توظيف منتجاتها في المجالات المدنية والعسكرية في الوقت نفسه.
وترى الحكومة أن توسيع هذا القطاع سيعزز تنافسية الاقتصاد البريطاني، ويزيد قدرة الشركات المحلية على تطوير تقنيات قابلة للتصدير عالميًا، بما يرسخ مكانة بريطانيا ضمن الدول الرائدة في الابتكار الدفاعي والتكنولوجيا العسكرية.
ماذا يعني هذا التحرك؟ وما السيناريوهات المتوقعة؟
يمثل الإعلان البريطاني مؤشرًا واضحًا على أن سباق تطوير التكنولوجيا العسكرية لم يعد يقتصر على إنتاج الأسلحة التقليدية،
بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والحرب الرقمية والطائرات المسيّرة، وهي المجالات التي ستحدد ميزان القوى خلال العقود المقبلة.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوجه إلى زيادة المنافسة بين القوى العسكرية الكبرى لتسريع تطوير التقنيات الدفاعية، مع تعزيز الشراكات بين الحكومات والشركات الخاصة والمؤسسات البحثية.
كما قد يدفع دولًا أخرى إلى إعادة هيكلة مؤسساتها المعنية بالابتكار العسكري، وتخصيص ميزانيات أكبر لتقليص الفجوة التكنولوجية،
خاصة في ظل تصاعد التحديات الأمنية وتغير طبيعة النزاعات الحديثة التي أصبحت تعتمد بدرجة متزايدة على التكنولوجيا والسرعة في اتخاذ القرار.



