السجون الإسرائيلية.. ساحة خفية لحرب الاستخبارات بعد «طوفان الأقصى»

تكشف شهادات ومعلومات أوردها تقرير نشره موقع «ذا كرادل» عن جانب خفي من الصراع الدائر بين الاحتلال الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية، يتمثل في المعركة الاستخباراتية داخل السجون الإسرائيلية، والتي ازدادت تعقيدًا عقب أحداث السابع من أكتوبر. ويرصد التقرير كيف تحولت المعتقلات إلى ميدان مواجهة يعتمد على تجنيد المخبرين، والضغط النفسي، ومحاولات اختراق التنظيمات الفلسطينية من الداخل، في ظل تصاعد الاعتقالات وتطور أساليب جمع المعلومات.
ويشير التقرير إلى أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تعتبر أن أخطر أشكال الاختراق لا تبدأ دائمًا بالتجنيد المباشر،
وإنما باستغلال نقاط الضعف الإنسانية والنفسية لدى المعتقلين،
مؤكدًا أن الاعتقاد بالحصانة الكاملة قد يكون أحد أبرز أسباب الوقوع في فخ التجسس،
بينما يتطلب منع الاختراق يقظة دائمة ومراجعة مستمرة للذات، لأن المواجهة الأمنية تستمر حتى عندما تبدو غير مرئية.
السجون.. نقطة الانطلاق في معركة الاستخبارات
يوضح التقرير أن السجون الإسرائيلية شكلت على مدار عقود واحدة من أهم ساحات الصراع الأمني بين الاحتلال والفصائل الفلسطينية،
حيث سعت أجهزة الاستخبارات إلى بناء شبكات من المتعاونين داخل المعتقلات بهدف جمع المعلومات واختراق البنية التنظيمية للأسرى. وفي المقابل، اعتمدت بعض الفصائل على كشف هؤلاء المتعاونين وعزلهم عن بقية المعتقلين،
باعتبار أن فضحهم يحقق الهدف الأمني دون التسبب في انقسامات داخلية قد تستغلها سلطات الاحتلال.
ويضيف التقرير أن فصائل أخرى اتبعت نهجًا أكثر تشددًا في التعامل مع من يُشتبه بتعاونهم،
ما أدى إلى اختلاف واضح في آليات المواجهة داخل السجون، وفقًا لرؤية كل تنظيم وطبيعة المرحلة الأمنية التي كان يمر بها.
قصة تكشف أساليب كشف المخبرين
ويستعرض التقرير شهادة أسير فلسطيني سابق تعود أحداثها إلى ثمانينيات القرن الماضي داخل سجن السرايا في غزة، حيث وجد نفسه في زنزانة واحدة مع فتحي الشقاقي بعد اعتقاله،
رغم تأكيده في التحقيقات أنه لم يكن منخرطًا في أي نشاط سياسي قبل دخوله السجن.
وتروي الشهادة أن دخول مجموعة من المعتقلين الجدد إلى الزنزانة أثار شكوك الشقاقي ورفيقه،
فاختارا التحدث بلغة أجنبية حول الوافدين الجدد لاختبار ردود أفعالهم.
وسرعان ما كشف تصرف عدد منهم أنهم ليسوا أسرى عاديين، لتنتهي محاولة الاختراق سريعًا،
في واحدة من الوقائع التي استخدمت لاحقًا لتوضيح أساليب اكتشاف المخبرين داخل المعتقلات.
«العصافير».. شبكة استخبارات تعمل من داخل الزنازين
ويشير التقرير إلى أن ظاهرة ما يعرف بـ«العصافير» بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي،
حيث اعتمدت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على زرع مخبرين بين الأسرى بعد تجنيدهم أو إجبارهم على التعاون،
ليظهروا باعتبارهم معتقلين عاديين قبل محاولة استدراج زملائهم للحصول على اعترافات أو معلومات أمنية تخدم التحقيقات.
ووفقًا للتقرير، اكتسبت بعض السجون شهرة واسعة بهذا الأسلوب،
إذ كان المخبر يدعي الصمود أمام التحقيق، ويعرض أحيانًا نقل رسائل إلى الخارج أو تقديم المساعدة،
بينما كانت مهمته الأساسية تتمثل في جمع المعلومات والتأثير على العلاقات الداخلية بين الأسرى،
بل وإثارة الخلافات بما يخدم أهداف الأجهزة الأمنية.
جدل مستمر حول كيفية التعامل مع المتعاونين
ويؤكد التقرير أن قضية التعامل مع المتعاونين داخل السجون ظلت محل خلاف بين الفصائل الفلسطينية،
إذ فضلت بعض الجهات الاكتفاء بكشفهم وإبطال دورهم،
بينما تبنت أطراف أخرى إجراءات أكثر صرامة وصلت في بعض الحالات إلى احتجاز المشتبه بهم داخل السجن وإخضاعهم لتحقيقات داخلية، وقد تنتهي تلك الإجراءات بعقوبات قاسية.
كما يشير التقرير إلى أن الممارسات على الأرض لم تكن دائمًا متوافقة مع المواقف الرسمية للفصائل،
إذ وقعت حالات تعامل فيها بعض الأفراد مع المشتبه بهم بصورة منفردة،
بعيدًا عن القرارات التنظيمية، وهو ما أدى إلى استمرار الجدل حول حدود المسؤولية وآليات التعامل مع هذه الملفات الحساسة.
تحولات جديدة بعد السابع من أكتوبر
ويرى التقرير أن موجة الاعتقالات الواسعة التي أعقبت عملية «طوفان الأقصى» أدت إلى ظهور أنماط جديدة من إدارة السجون، من بينها توسيع أدوار بعض المعتقلين المكلفين بالإشراف على الأقسام،
ومنحهم صلاحيات محدودة مقابل امتيازات بسيطة، وسط تباين كبير في تقييم الأسرى لطبيعة هذا الدور.
كما يتحدث التقرير عن بروز أشخاص يطلق عليهم الأسرى وصف «المرشدين» أو «المستشارين»،
يعملون بالتنسيق مع سلطات السجون والأجهزة الأمنية،
ويعتمدون على الضغط النفسي والإقناع لإقناع المعتقلين بأن المقاومة لم تعد مجدية،
وأن التعاون هو الخيار الوحيد لتخفيف الضغوط، من خلال الإيحاء بامتلاك معلومات كاملة عنهم وعن محيطهم، في محاولة لدفعهم إلى الإدلاء باعترافات أو تقديم معلومات إضافية.
اقراء أيضاً:
تصعيد عسكري في مضيق هرمز: إصابة ناقلة نفط وتبادل ضربات بين واشنطن وطهران



