بلير يشعل عاصفة سياسية داخل بريطانيا ويهاجم حكومة العمال ويدعو للتقارب مع ترامب
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة The Guardian البريطانية فإن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق Tony Blair فجّر موجة غضب واسعة داخل حزب العمال بعد نشر مقال سياسي مطول هاجم فيه أداء الحكومة الحالية بقيادة Keir Starmer معتبرًا أن الحزب يفتقد لرؤية اقتصادية وسياسية واضحة رغم عودته إلى السلطة.
وجاءت تصريحات بلير في توقيت شديد الحساسية تواجه فيه الحكومة البريطانية تحديات اقتصادية متصاعدة وضغوطًا سياسية متزايدة وسط مخاوف من تراجع شعبية الحزب وصعود التيارات الشعبوية. ولم يكتف بلير بانتقاد الأداء الداخلي للحكومة بل دعا أيضًا إلى إعادة النظر في عدد من السياسات التي يتبناها حزب العمال وعلى رأسها ملفات البيئة والضرائب وحقوق العمال مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون لتحفيز الاقتصاد وجذب الاستثمارات.

الأكثر إثارة للجدل كان حديثه عن ضرورة التعامل بواقعية مع الرئيس الأمريكي Donald Trump وسياساته الدولية وهو ما اعتبره كثيرون محاولة لدفع بريطانيا نحو مسار سياسي مختلف تمامًا عن الخط التقليدي للحزب. وتسبب المقال في حالة انقسام داخل الأوساط السياسية البريطانية بين من رأى أن بلير يقدم تحذيرًا مبكرًا لإنقاذ الحزب وبين من اعتبر تدخله محاولة لإرباك القيادة الحالية وإعادة فرض نفوذه القديم على المشهد السياسي.
شن بلير هجومًا مباشرًا على حكومة حزب العمال مؤكدًا أن الحزب بعد وصوله للسلطة لم ينجح حتى الآن في تقديم مشروع سياسي قادر على إقناع البريطانيين بالمستقبل الذي يعدهم به. وأوضح أن الحكومة الحالية تدير الأزمات اليومية فقط دون امتلاك خطة استراتيجية طويلة المدى لمعالجة قضايا كبرى مثل النمو الاقتصادي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتراجع الدور البريطاني عالميًا. كما لمح إلى أن الحزب يكرر أخطاء تاريخية سابقة عندما ينشغل بنقاشات داخلية بدلًا من التركيز على بناء رؤية وطنية شاملة تحافظ على ثقة الشارع البريطاني.
كما أثارت دعوات بلير المتعلقة بالاقتصاد حالة غضب داخل الجناح التقدمي للحزب بعدما طالب بتخفيف التركيز على بعض السياسات الاجتماعية والبيئية التي يتبناها العمال حاليًا. ورأى أن التوسع في قوانين حقوق العمال ورفع الحد الأدنى للأجور والتشدد في مشروعات الحياد الكربوني قد يضر بالاقتصاد البريطاني ويزيد من قلق المستثمرين في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استعادة النمو الاقتصادي. ودعا إلى منح قطاع الأعمال دورًا أكبر في رسم السياسات الاقتصادية مؤكدًا أن دعم الشركات والاستثمارات يجب أن يكون أولوية للحكومة خلال المرحلة المقبلة.
وفي جانب السياسة الخارجية أثار بلير مزيدًا من الجدل بعدما دعا إلى تبني مقاربة أكثر واقعية تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معتبرًا أن كثيرًا من الانتقادات الموجهة إليه مبالغ فيها. وقال إن ترامب يسعى لإعادة تشكيل التحالفات الغربية بما يخدم المصالح الأمريكية وليس بالضرورة لتدميرها كما يعتقد خصومه. كما أشار إلى أن بريطانيا كان يجب أن تتعامل بصورة أكثر مرونة مع التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه إيران والشرق الأوسط وهو ما فتح باب الانتقادات ضده داخل الأوساط اليسارية التي ترى أن التقارب مع ترامب يمثل مخاطرة سياسية كبيرة.
ويعكس تدخل بلير حجم الانقسام المتصاعد داخل حزب العمال بشأن مستقبل الحزب وهويته السياسية خلال السنوات المقبلة. فبينما يحاول ستارمر الحفاظ على توازن بين التيارات المختلفة داخل الحزب يرى بلير أن الحزب يحتاج إلى تحول جذري نحو ما يسميه المركز الراديكالي القادر على الجمع بين دعم الاقتصاد والانفتاح السياسي والتكنولوجي. كما اعتبر مراقبون أن إشادة بلير بعدد من الشخصيات السياسية داخل الحزب قد تكون رسالة مبكرة بشأن صراعات القيادة المستقبلية إذا تراجعت شعبية الحكومة الحالية.
ويرى محللون أن تصريحات بلير تكشف عن مخاوف حقيقية داخل النخبة السياسية البريطانية من أن يفقد حزب العمال شعبيته سريعًا إذا لم ينجح في تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية خلال الفترة المقبلة. كما أن تصاعد الغضب الشعبي من التضخم وأزمات الطاقة والخدمات العامة يمنح الأحزاب الشعبوية فرصة أكبر للتوسع وهو ما يدفع شخصيات مثل بلير إلى محاولة إعادة صياغة الخطاب السياسي للحزب قبل فوات الأوان.
ومن المتوقع أن تستمر حالة الجدل داخل بريطانيا خلال الأسابيع المقبلة خاصة مع تزايد الضغوط على حكومة ستارمر واحتدام النقاش حول مستقبل السياسات الاقتصادية والخارجية للبلاد. كما قد تؤدي تصريحات بلير إلى زيادة الانقسامات داخل حزب العمال بين التيار التقليدي والتيار الوسطي وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على استقرار الحكومة وفرص الحزب في أي انتخابات قادمة.



