عاصفة تضرب إمبراطورية الطاقة الشمسية الصينية ومئات الشركات على حافة الانهيار
وفقًا لتقرير نشرته مجلة الإيكونوميست البريطانية، تواجه صناعة الطاقة الشمسية في الصين أخطر أزمة منذ سنوات رغم الهيمنة الساحقة التي تفرضها بكين على السوق العالمية. فبينما تُنتج الصين أكثر من 80 بالمئة من الألواح الشمسية في العالم، وتُعد المحرك الرئيسي للتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، بدأت الصناعة التي كانت رمزًا للصعود الاقتصادي الصيني تدخل مرحلة اضطراب حادة تهدد بإفلاس عشرات الشركات وتسريح آلاف العمال.
ورغم أن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط وارتفاع التوترات في أسواق الطاقة كان من المفترض أن يمنحا دفعة قوية لشركات الطاقة النظيفة، فإن الأزمة الحالية داخل القطاع الصيني تبدو أعمق بكثير من أن تُحل عبر ارتفاع مؤقت في الطلب العالمي. فالشركات الصينية تواجه الآن ثلاث ضربات متزامنة تتمثل في تراجع الطلب المحلي، وفائض ضخم في الإنتاج، وتصاعد القيود التجارية الغربية ضد المنتجات الصينية، ما وضع أكبر صناعة للطاقة الشمسية في العالم أمام اختبار مصيري قد يعيد تشكيل سوق الطاقة العالمية بالكامل.

الصين أغرقت العالم بالألواح الشمسية
خلال السنوات الماضية، ضخت الصين استثمارات هائلة في مصانع الطاقة الشمسية حتى أصبحت قادرة على إنتاج كميات ضخمة تفوق احتياجات العالم بأكمله. وبحسب التقرير، تجاوزت القدرة الإنتاجية السنوية للشركات الصينية ألف جيجاوات، بينما لم يتجاوز حجم التركيبات العالمية للطاقة الشمسية خلال العام الماضي نحو 600 جيجاوات فقط.
هذا الفائض الهائل خلق حرب أسعار شرسة بين الشركات الصينية نفسها، حيث بدأت المصانع تخفض الأسعار بشكل متواصل للحفاظ على حصتها السوقية، ما تسبب في خسائر مالية ضخمة لمعظم الشركات منذ عام 2024.
ويرى خبراء أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الصناعة الصينية نمت بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الأسواق العالمية على استيعاب هذا الكم الهائل من الإنتاج، وهو ما خلق أزمة فائض تاريخية تهدد بحدوث موجة إفلاسات واسعة داخل القطاع.
شبكة الكهرباء الصينية لم تعد تتحمل
المفارقة أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالأسواق الخارجية، بل بدأت من داخل الصين نفسها، التي تُعد أكبر سوق للطاقة الشمسية في العالم. فقد شهدت البلاد توسعًا هائلًا في تركيب الألواح الشمسية فوق المنازل والمصانع والصحارى والتلال خلال السنوات الأخيرة، إلى درجة أن شبكات الكهرباء باتت عاجزة عن استيعاب كل هذه الطاقة المنتجة.
وأشار التقرير إلى أن نحو 9 بالمئة من الكهرباء الشمسية المنتجة في الصين خلال أول شهرين من العام الجاري تم إهدارها بسبب عدم قدرة الشبكات على استيعاب الفائض، مقارنة بـ6 بالمئة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وتعتمد الصين تاريخيًا على محطات الفحم التي يمكن تشغيلها وإيقافها بسهولة حسب الحاجة، بينما تواجه الطاقة الشمسية مشكلة مرتبطة بتذبذب الإنتاج بين النهار والليل، وهو ما يخلق تحديات ضخمة أمام استقرار الشبكات الكهربائية.
تراجع الطلب العالمي لأول مرة منذ عقود
يتوقع خبراء الطاقة أن يشهد العالم خلال عام 2026 أول تراجع عالمي في الطلب على الألواح الشمسية منذ أكثر من عشرين عامًا، نتيجة التشبع الذي وصلت إليه بعض الأسواق الكبرى وعلى رأسها الصين.
كما أن الكثير من الدول بدأت بالفعل تمتلك قدرات ضخمة من الطاقة الشمسية، ما قلل الحاجة إلى التوسع السريع بنفس الوتيرة السابقة. ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستتطلب استثمارات أكبر في تخزين الطاقة والبطاريات وخطوط نقل الكهرباء بدلًا من التركيز فقط على إنتاج المزيد من الألواح الشمسية.
ورغم أن الصين تحقق تقدمًا سريعًا في تقنيات البطاريات، فإن تطوير البنية التحتية اللازمة لاستيعاب الطاقة النظيفة يحتاج إلى سنوات واستثمارات هائلة، ما يعني أن تباطؤ القطاع قد يستمر لفترة طويلة.
الغرب يضيق الخناق على الصناعة الصينية
إلى جانب الأزمة الداخلية، تواجه شركات الطاقة الشمسية الصينية موجة متصاعدة من القيود التجارية الغربية. فقد فرضت الولايات المتحدة منذ عام 2022 رسومًا جمركية وقيودًا صارمة على واردات الألواح الشمسية الصينية، بينما بدأت أوروبا أيضًا اتخاذ خطوات مشابهة بدعوى حماية الأمن الاقتصادي والصناعات المحلية.
كما تصاعدت المخاوف الغربية من الاعتماد المفرط على البنية التحتية الصينية في قطاع الطاقة، خاصة مع توسع النفوذ التكنولوجي الصيني عالميًا.
ودفع ذلك بعض الشركات الصينية إلى نقل جزء من عمليات التصنيع إلى دول أخرى لتجنب القيود السياسية والتجارية، لكن هذه الخطوة ترفع التكاليف وتزيد الضغوط على الشركات التي تعاني أصلًا من تراجع الأرباح.
موجة إفلاسات وتسريحات تهدد القطاع
بحسب التقرير، شهد قطاع الطاقة الشمسية الصيني منذ عام 2024 انهيار أو اندماج أو شطب أكثر من 40 شركة، بينما قامت أكبر الشركات بتسريح نحو ثلث العاملين لديها نتيجة الضغوط المالية المتزايدة.
كما تراجعت أسهم أكبر منتجي الألواح الشمسية في الصين إلى أقل من نصف قيمتها مقارنة بذروة السنوات الماضية، ما يعكس حجم الأزمة التي تضرب القطاع حاليًا.
ويرى خبراء أن موجة الانهيارات الحالية قد تكون مجرد البداية، خاصة إذا استمرت الأسعار العالمية أقل من تكاليف الإنتاج لفترة أطول.
هل تنقذ التكنولوجيا مستقبل الطاقة الشمسية؟
رغم الصورة القاتمة، لا تزال هناك آمال في إنقاذ القطاع عبر تطوير تقنيات جديدة أكثر كفاءة. ويشير التقرير إلى أن الجيل الجديد من الخلايا الشمسية المعروفة باسم بيروفسكايت قد يرفع كفاءة تحويل ضوء الشمس إلى كهرباء لأكثر من 30 بالمئة، مقارنة بالمستويات الحالية التي تتراوح بين 22 و24 بالمئة.
كما يمكن أن تساعد هذه التقنيات في خفض تكاليف الإنتاج وتحسين ربحية الشركات مستقبلًا، لكن السؤال الأهم يبقى: كم عدد الشركات الصينية التي ستنجو حتى وصول هذه التكنولوجيا إلى مرحلة الإنتاج التجاري الواسع؟
ماذا تعني هذه الأزمة للعالم؟
الأزمة الحالية تكشف أن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة لا يعتمد فقط على إنتاج التكنولوجيا، بل يحتاج أيضًا إلى بنية تحتية قوية وأسواق مستقرة وقدرة على إدارة التوازن بين العرض والطلب.
كما أن أي اضطراب كبير داخل قطاع الطاقة الشمسية الصيني ستكون له تداعيات مباشرة على أسعار الطاقة النظيفة عالميًا، وعلى خطط الدول للتحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
ويرى مراقبون أن العالم قد يشهد خلال السنوات المقبلة إعادة هيكلة واسعة لصناعة الطاقة الشمسية، مع اختفاء عشرات الشركات الصغيرة وبقاء عدد محدود من العمالقة القادرين على تحمل المنافسة والأزمات.



