واشنطن تبحث عن مصنع جديد لأخطر صواريخها وسط مخاوف من حرب كبرى ونفاد المخزون

وفقًا لتقرير نشره موقع ديفينس بلوغ، بدأت القوات الجوية الأمريكية خطوة استراتيجية لافتة قد تعيد رسم خريطة صناعة التسليح الأمريكية خلال السنوات المقبلة، بعدما فتحت الباب أمام شركات أمريكية جديدة للمنافسة على إنتاج اثنين من أهم وأخطر الصواريخ الهجومية في الترسانة الأمريكية، وهما صاروخ الهجوم بعيد المدى وصاروخ مكافحة السفن بعيد المدى. وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوترات الدولية، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتزايد المخاوف الأمريكية من مواجهة محتملة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما دفع البنتاجون إلى البحث عن حلول تضمن استمرار تدفق الأسلحة الاستراتيجية وعدم الاعتماد على شركة واحدة فقط في إنتاج هذه المنظومات الحساسة. ويكشف القرار عن قلق متزايد داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بشأن قدرة خطوط الإنتاج الحالية على تلبية الطلب المتصاعد على الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى خلال السنوات القادمة.
خطوة غير مسبوقة لكسر الاحتكار
أعلنت القوات الجوية الأمريكية أنها تبحث عن شركة جديدة قادرة على إنتاج صواريخ الهجوم بعيد المدى وصواريخ مكافحة السفن بعيدة المدى خلال الدفعات الإنتاجية المقررة بين عامي 2031 و2036. وحتى الآن تحتكر شركة لوكهيد مارتن عملية إنتاج هذين السلاحين منذ بداية البرنامج، ما جعلها المصدر الوحيد لهذه المنظومات الاستراتيجية.

وتعكس هذه الخطوة رغبة أمريكية واضحة في تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مورد واحد، خاصة أن أي أزمة صناعية أو تقنية أو مالية قد تؤثر على إنتاج الصواريخ وتنعكس مباشرة على الجاهزية العسكرية الأمريكية. كما أن دخول منافس جديد قد يساهم في زيادة الطاقة الإنتاجية وتحسين الكفاءة وتقليل الضغوط على خطوط التصنيع الحالية.
لماذا تعد هذه الصواريخ من أخطر الأسلحة الأمريكية؟
يعتبر صاروخ الهجوم بعيد المدى أحد أهم أسلحة الضربات الدقيقة في القوات الجوية الأمريكية، حيث صُمم لاختراق الدفاعات الجوية المعقدة وضرب الأهداف الاستراتيجية من مسافات بعيدة دون الحاجة إلى اقتراب الطائرات الحاملة له من مناطق الخطر.
ويعتمد الصاروخ على تقنيات متطورة تشمل الملاحة بالأقمار الصناعية وأنظمة التوجيه بالأشعة تحت الحمراء والتعرف الذاتي على الأهداف، ما يمنحه قدرة كبيرة على إصابة أهدافه بدقة عالية. أما النسخة المطورة ذات المدى الممتد فتتيح للطائرات الأمريكية تنفيذ هجمات عميقة داخل أراضي الخصوم مع البقاء خارج نطاق معظم أنظمة الدفاع الجوي المعادية.
سلاح مصمم لإغراق الأساطيل البحرية
أما صاروخ مكافحة السفن بعيد المدى فقد جرى تطويره خصيصاً لمواجهة السفن الحربية الحديثة في البيئات القتالية المعقدة. ويتميز بقدرته على اكتشاف السفن وتحديد هويتها واختيار الهدف المناسب حتى وسط تشكيلات بحرية كبيرة تستخدم وسائل خداع إلكترونية متطورة.
وتمنح هذه القدرات البحرية الأمريكية أداة هجومية فعالة في أي صراع محتمل بالمحيط الهادئ، خاصة في ظل التوسع السريع للأسطول البحري الصيني. ولهذا السبب أصبح الصاروخ أحد الركائز الأساسية في الخطط العسكرية الأمريكية الرامية إلى الحفاظ على التفوق البحري خلال العقود المقبلة.
عقبات ضخمة أمام أي منافس جديد
رغم فتح باب المنافسة، فإن الطريق أمام الشركات الراغبة في دخول البرنامج لن يكون سهلاً. فإنتاج هذه الصواريخ يتطلب بنية صناعية متقدمة للغاية تشمل معدات دقيقة وأنظمة إلكترونية معقدة وبرمجيات شديدة الحساسية تتعامل مع تقنيات سرية ومصنفة.
كما أن القوات الجوية الأمريكية أوضحت أن المعدات الخاصة المستخدمة حالياً في خطوط الإنتاج لن تكون متاحة للمنافس الجديد، ما يعني أن أي شركة ستحتاج إلى بناء منظومة إنتاج كاملة من الصفر. ويشمل ذلك المصانع وأجهزة الاختبار والكوادر البشرية والقدرات الهندسية اللازمة للحصول على الاعتمادات العسكرية المطلوبة.
أوكرانيا والصين وراء القرار الأمريكي
يرى مراقبون أن الحرب الروسية الأوكرانية لعبت دوراً مهماً في دفع واشنطن نحو هذه الخطوة، إذ أدت الحرب إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الذخائر والصواريخ الدقيقة داخل الولايات المتحدة وحلفائها. كما أن الدعم العسكري المستمر لكييف استهلك كميات كبيرة من المخزونات الغربية.
في الوقت نفسه، تراقب واشنطن بقلق متزايد التطورات العسكرية في آسيا، خصوصاً مع تسارع برامج التحديث العسكري الصينية. ولذلك تسعى وزارة الدفاع الأمريكية إلى ضمان وجود قدرة إنتاجية ضخمة تسمح بتلبية احتياجات أي صراع طويل الأمد دون التعرض لاختناقات صناعية أو نقص في الإمدادات.
ماذا يعني هذا القرار وما السيناريو المتوقع؟
التحرك الأمريكي لا يعني بالضرورة أن البنتاجون وجد بالفعل شركة قادرة على منافسة لوكهيد مارتن، بل إنه يمثل عملية استطلاع للسوق بهدف معرفة ما إذا كانت هناك جهة تمتلك الإمكانات الفنية والمالية اللازمة للدخول في هذا المجال شديد التعقيد.
لكن مجرد طرح هذا السؤال يكشف حجم القلق داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بشأن مستقبل إنتاج الأسلحة الاستراتيجية. وإذا نجحت واشنطن في إيجاد مورد ثانٍ خلال السنوات المقبلة، فقد يشهد قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكي تحولاً كبيراً يرفع معدلات الإنتاج ويمنح الجيش الأمريكي مرونة أكبر في مواجهة الأزمات والحروب المستقبلية. أما إذا فشلت هذه الجهود، فسيظل الاعتماد قائماً على شركة واحدة لإنتاج بعض من أهم الصواريخ الهجومية في العالم، وهو ما تعتبره دوائر عسكرية مخاطرة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.



