شبح كارثة نووية يعود إلى أوروبا.. مسيرة روسية تضرب منشأة وقود نووي قرب تشيرنوبل وتثير مخاوف دولية

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تصاعدت المخاوف الدولية من احتمال وقوع حادث نووي جديد في أوكرانيا بعد تعرض منشأة لتخزين الوقود النووي المستهلك بالقرب من محطة تشيرنوبل لهجوم بطائرة مسيرة روسية، في تطور خطير يعيد إلى الواجهة الهواجس المرتبطة بأمن المنشآت النووية وسط استمرار الحرب الروسية الأوكرانية للعام الخامس على التوالي.
وأكدت السلطات الأوكرانية أن الهجوم استهدف منطقة الاستقبال داخل منشأة محصنة مخصصة لتخزين الوقود النووي المستهلك، ما أدى إلى اندلاع حريق تمت السيطرة عليه سريعًا دون تسجيل إصابات بشرية أو تسرب إشعاعي. ورغم تأكيد الجهات المختصة أن مستويات الإشعاع ما زالت ضمن الحدود الطبيعية، فإن الحادث أثار موجة جديدة من القلق الدولي بسبب حساسية الموقع وقربه من واحدة من أخطر الكوارث النووية في التاريخ الحديث.

ضربة جديدة في قلب المنطقة النووية الأكثر حساسية
يمثل محيط محطة Chernobyl Nuclear Power Plant أحد أكثر المواقع حساسية في العالم منذ كارثة عام 1986 التي حولت المنطقة إلى رمز عالمي للمخاطر النووية. ولذلك فإن أي نشاط عسكري بالقرب من المنشآت المرتبطة بالموقع يثير مخاوف فورية لدى المجتمع الدولي.
وبحسب المعلومات الأولية، استهدفت الطائرة المسيرة منشأة مخصصة لاستقبال وتخزين الوقود النووي المستهلك، وهو الوقود الذي تم استخدامه سابقًا داخل المفاعلات النووية ويحتاج إلى إجراءات حماية صارمة لمنع أي مخاطر إشعاعية محتملة. وعلى الرغم من عدم وقوع تسرب إشعاعي، فإن مجرد استهداف مثل هذه المنشآت يعكس حجم المخاطر التي باتت تحيط بالبنية التحتية النووية في أوكرانيا.
زيلينسكي يتهم موسكو باستهداف البنية النووية
اتهم الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy روسيا بتنفيذ هجوم متعمد على منشأة نووية حساسة، معتبرًا أن الاستهداف يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن النووي العالمي وليس لأوكرانيا فقط.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت تسعى فيه كييف إلى حشد المزيد من الدعم الدولي، خاصة مع انعقاد لقاءات رفيعة المستوى بين القيادة الأوكرانية وعدد من القادة الأوروبيين لبحث سبل دفع جهود السلام وإنهاء الحرب. ويرى مراقبون أن الحادث قد يمنح أوكرانيا ورقة ضغط إضافية في المحافل الدولية عبر تسليط الضوء على المخاطر التي تهدد الأمن النووي الأوروبي.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتابع الموقف
أعلنت International Atomic Energy Agency أن فرقها الميدانية ستقوم بفحص الموقع المستهدف وتقييم الأضرار المحتملة، مشيرة إلى أن المنشأة تحتوي على كميات كبيرة من المواد النووية المخزنة على مسافة قصيرة من موقع الهجوم.
ويحظى تقييم الوكالة بأهمية كبيرة نظرًا لدورها المركزي في مراقبة سلامة المنشآت النووية حول العالم. كما أن أي تغير في مستويات الأمان أو ظهور مؤشرات على تضرر البنية الوقائية قد يدفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات إضافية لضمان حماية المنشآت النووية في مناطق النزاعات المسلحة.
ملف زابوريجيا يزيد المخاوف النووية
لا تقتصر المخاوف على تشيرنوبل وحدها، إذ لا تزال محطة Zaporizhzhia Nuclear Power Plant، أكبر محطة نووية في أوروبا، تشكل مصدر قلق مستمر منذ سيطرة القوات الروسية عليها عام 2022.
وخلال الأيام الماضية تبادلت موسكو وكييف الاتهامات بشأن استهداف منشآت ومعدات داخل المحطة، فيما شهدت خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لها انقطاعات متكررة أجبرت المحطة على الاعتماد على أنظمة الطاقة الاحتياطية. وتحذر الوكالة الدولية للطاقة الذرية باستمرار من أن أي خلل طويل الأمد في أنظمة التغذية الكهربائية قد يزيد من مخاطر وقوع حادث نووي غير مقصود.
لماذا يقلق العالم من هذه الحوادث؟
المنشآت النووية صممت لتحمل ظروف تشغيل معقدة، لكنها لم تُبنَ لتكون ساحات حرب نشطة. ولذلك فإن استمرار العمليات العسكرية بالقرب من المفاعلات ومخازن الوقود النووي يرفع مستوى المخاطر حتى في حال عدم استهدافها بشكل مباشر.
ويخشى الخبراء من أن تؤدي الضربات المتكررة أو الأعطال الفنية الناتجة عن الحرب إلى إضعاف أنظمة الحماية أو تعطيل سلاسل التبريد والطاقة، وهي عوامل قد تتسبب في حوادث ذات تداعيات عابرة للحدود. فالإشعاع النووي لا يعترف بالحدود السياسية، وأي حادث كبير يمكن أن يؤثر على دول أوروبية عديدة.
ماذا يعني هذا التطور؟
يعكس الهجوم الأخير مدى تعقيد الحرب الأوكرانية وتحولها إلى صراع تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع الأمن النووي العالمي. فكل حادث يقع بالقرب من منشأة نووية يرفع مستوى القلق الدولي ويزيد الضغوط على الأطراف المتحاربة لتجنب استهداف البنية التحتية الحساسة.
أما السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الفترة المقبلة، فهو تكثيف الرقابة الدولية على المواقع النووية الأوكرانية وزيادة التحذيرات من مخاطر التصعيد العسكري حولها. وفي الوقت نفسه، سيبقى ملف الأمن النووي أحد أخطر الملفات المرتبطة بالحرب، نظرًا لأن أي خطأ أو حادث كبير قد تتجاوز تداعياته حدود أوكرانيا وروسيا إلى القارة الأوروبية بأكملها.



