على بعد 70 كيلومترًا من الحدود الروسية.. بريطانيا تختبر جيلاً جديدًا من الطائرات القاتلة في أخطر تدريبات للناتو

وفقًا لتقرير نشره موقع Army Recognition، تجري القوات البريطانية تدريبات عسكرية متقدمة بالقرب من الحدود الروسية في فنلندا، مستخدمة منظومات جديدة من الطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية ضمن واحدة من أكثر المناورات حساسية لحلف شمال الأطلسي الناتومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وتشارك في مناورات النجم الشمالي نحو 4500 جندي من دول الحلف، بينها بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وفنلندا والمجر، في منطقة تبعد نحو 70 كيلومترًا فقط عن الحدود الروسية. ويبرز في هذه التدريبات اعتماد الجيش البريطاني على مفهوم قتالي جديد يقوم على استخدام الطائرات المسيّرة والأنظمة الرقمية المتقدمة لرصد الأهداف وضربها من مسافات بعيدة دون تعريض الجنود لخطر المواجهة المباشرة، وهو ما يعكس التحول المتسارع في طبيعة الحروب الحديثة.

حدود الناتو مع روسيا تدخل مرحلة جديدة

تمثل هذه التدريبات أهمية استراتيجية كبيرة بعد انضمام Finland إلى حلف الناتو عام 2023، وهو القرار الذي غيّر الخريطة العسكرية في شمال أوروبا بشكل جذري.
فانضمام فنلندا أضاف أكثر من 1300 كيلومتر من الحدود المباشرة بين الحلف وRussia، ما ضاعف تقريبًا طول الحدود البرية المشتركة بين الطرفين. كما منح الناتو موقعًا متقدمًا بالقرب من مناطق روسية شديدة الحساسية، أبرزها شبه جزيرة كولا التي تضم قواعد بحرية ومنشآت استراتيجية مرتبطة بالقوات النووية الروسية.
الأشباح والصواعق.. أسلحة المعركة الجديدة

تعتمد القوات البريطانية خلال التدريبات على منظومتين رئيسيتين من الطائرات المسيّرة. الأولى تحمل اسم Ghost وهي طائرة استطلاع ذاتية التشغيل مصممة لجمع المعلومات ورصد الأهداف وإرسال البيانات في الوقت الحقيقي إلى مراكز القيادة.
أما المنظومة الثانية فهي Bolt، وهي ذخيرة جوالة انتحارية قادرة على التحليق فوق منطقة العمليات قبل الانقضاض على الهدف وتدميره. ويعتمد المفهوم القتالي الجديد على تكامل النظامين؛ حيث تقوم طائرة الاستطلاع باكتشاف الهدف وتحديد موقعه، ثم يتم توجيه الطائرة الهجومية لتدميره دون الحاجة إلى اقتراب الجنود من منطقة الخطر.

الحرب الأوكرانية تعيد تشكيل العقيدة العسكرية
تأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه الحرب في أوكرانيا مختبرًا عمليًا لتقنيات القتال الحديثة، خاصة الطائرات المسيّرة التي أثبتت قدرتها على تغيير موازين المعارك بتكلفة أقل من الأنظمة التقليدية.
وتسعى الجيوش الغربية إلى الاستفادة من الدروس المستخلصة من الحرب عبر دمج أنظمة الاستطلاع والذكاء الاصطناعي والاتصالات الرقمية في وحدات المشاة العادية، بدلاً من الاعتماد على الطائرات أو المدفعية الثقيلة فقط. ويبدو أن الجيش البريطاني يراهن على أن تكون هذه الأنظمة جزءًا أساسيًا من عملياته المستقبلية.
شبكة رقمية تربط الجنود والطائرات
أحد أبرز عناصر المناورات الحالية يتمثل في استخدام نظام رقمي يعرف باسم ATAK، وهو منصة تكتيكية تعتمد على الخرائط الرقمية وتحديد المواقع والاتصال الفوري بين الجنود والطائرات المسيّرة.
ويتيح النظام لكل جندي الاطلاع على المعلومات الميدانية لحظة بلحظة، بما في ذلك مواقع القوات الصديقة وتحركات الأهداف المعادية والصور الواردة من الطائرات بدون طيار. ويمنح ذلك الوحدات العسكرية قدرة أعلى على اتخاذ القرار السريع والتعامل مع التهديدات في بيئات معقدة وصعبة مثل الغابات الكثيفة في شرق فنلندا.
لماذا اختيرت فنلندا لهذه التجارب؟
تعد المناطق الشرقية من فنلندا من أصعب البيئات القتالية في أوروبا، إذ تتميز بالغابات الكثيفة وآلاف البحيرات والتضاريس التي تحد من حركة الآليات الثقيلة وتقلل من مدى الرؤية.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح الطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع المتقدمة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن القدرة على اكتشاف الخصم قبل أن يكتشفك تمنح أفضلية حاسمة في المعركة. ولهذا السبب يرى الناتو أن فنلندا تمثل بيئة مثالية لاختبار مفاهيمه القتالية الجديدة.
ماذا يعني هذا التطور؟
تعكس هذه التدريبات تسارع سباق التسلح التكنولوجي بين روسيا ودول الناتو، حيث تتجه الجيوش الغربية إلى تقليل الاعتماد على المواجهات التقليدية المباشرة والاعتماد بشكل أكبر على الأنظمة الذاتية والطائرات المسيّرة.
كما تشير إلى أن الحدود الشمالية لأوروبا أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس العسكري بين موسكو والحلف الأطلسي. وإذا استمرت الحرب الأوكرانية في تقديم دروس جديدة حول فعالية الطائرات بدون طيار، فمن المتوقع أن تصبح هذه الأنظمة العمود الفقري للقوات البرية الغربية خلال السنوات المقبلة، ما سيؤدي إلى تغييرات عميقة في شكل الحروب الحديثة ومستقبل العمليات العسكرية حول العالم.



