الجيش اللبناني على حافة معادلة صعبة: بين تثبيت الاستقرار أو الانزلاق إلى صراع داخلي في الجنوب

وفقًا لتقرير نشره موقع The Cradle، يواجه الجيش اللبناني مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد رسم دوره داخل الدولة، في ظل تصاعد الضغوط السياسية والأمنية المرتبطة بجنوب لبنان، وتزايد النقاش حول مستقبل ترتيبات الأمن هناك. ويشير التقرير إلى أن المؤسسة العسكرية لم تعد مجرد جهة تنفيذية لضبط الأمن، بل أصبحت في قلب صراع سياسي أوسع يتعلق بمستقبل لبنان نفسه
وسط انقسام داخلي حاد بين القوى السياسية حول طبيعة الدور الذي يجب أن تؤديه في المرحلة المقبلة.ويأتي هذا التطور في وقت تتصاعد فيه التوترات السياسية بين الرئاسة اللبنانية وحزب الله، إلى جانب تحركات دبلوماسية وعسكرية دولية مرتبطة بملف الجنوب. وبينما يتم الدفع باتجاه توسيع انتشار الجيش اللبناني ليكون الضامن الأساسي للاستقرار

تبرز مخاوف من أن يتحول هذا الدور إلى عبء سياسي وأمني قد يضعه في مواجهة مباشرة مع أطراف داخلية، ما قد يهدد توازن البلاد الهش أصلاً.تصاعد النقاش حول دور الجيش في الجنوبيشير التقرير إلى أن النقاش حول انتشار
الجيش اللبناني في الجنوب لم يعد تقنياً أو عسكرياً فقط
بل أصبح مرتبطاً بتصورات سياسية متباينة حول مستقبل الدولة اللبنانية. فبينما ترى بعض الأطراف أن الجيش يجب أن يكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن، تعتبر أطراف أخرى أن هذه الخطوة لا يمكن أن تنجح دون تسوية سياسية شاملة تشمل الانسحاب الإسرائيلي من
الأراضي المحتلة ووقف الانتهاكات المستمرة
ويؤكد هذا التباين أن مهمة الجيش، رغم أهميتها، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الإقليمي المعقد، خصوصاً في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، ما يجعل أي انتشار واسع للقوات اللبنانية مرتبطاً بحسابات دقيقة تتجاوز البعد الأمني البحت.خطاب سياسي أكثر حدة من الرئاسة اللبنانيةبرزت تصريحات الرئيس اللبناني جوزيف عون كأحد أبرز العوامل التي أعادت زخم النقاش حول دور الدولة في الجنوب. فقد اتخذ خطاباً أكثر صرامة تجاه إيران وحزب الله، معتبراً أن لبنان يجب أن يتحرر من أي تأثير خارجي في قراراته السيادية.كما شدد على أن
مصلحة لبنان لا تتطابق بالضرورة مع أولويات طهران
في إشارة مباشرة إلى دور إيران الإقليمي. وترافقت هذه التصريحات مع نقاشات دبلوماسية تتعلق بتفاهمات أمنية محتملة، ما زاد من حساسية المرحلة وأعاد طرح أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة غير الرسمية.الجيش بين المهام الميدانية والضغوط السياسيةبحسب التقرير، يجد الجيش اللبناني نفسه أمام معادلة معقدة: فهو مطلوب منه توسيع انتشاره في الجنوب لضمان الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يعمل في
بيئة سياسية غير مستقرة وتحت ضغط مستمر من أطراف داخلية وخارجية
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن أي توسع في الدور الميداني للجيش قد يضعه في مناطق تماس سياسية وأمنية حساسة، خصوصاً في ظل غياب تسوية شاملة للصراع الحدودي. كما أن قدراته اللوجستية والبشرية تبقى محدودة مقارنة بحجم المسؤوليات المطروحة عليه، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرته على تحمل هذا العبء دون دعم سياسي ومؤسساتي واضح.مواقف القوى السياسية اللبنانيةيعكس موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري جانباً من الانقسام الداخلي حول مستقبل الجنوب. فهو يرفض أي ترتيبات أمنية جزئية، ويدعو إلى وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل قبل أي
خطوات تنفيذية جديدة
وفي المقابل، يبرز دعم واضح للجيش اللبناني كمؤسسة وطنية يُنظر إليها باعتبارها إحدى ركائز الاستقرار القليلة المتبقية في البلاد. وتشير مصادر سياسية إلى وجود ثقة بقدرة قيادة الجيش على التعامل مع المرحلة بحذر وواقعية، مع تجنب الانزلاق إلى صراعات داخلية.هذا التوازن الدقيق بين المواقف المتباينة يعكس هشاشة المشهد السياسي اللبناني، حيث تحاول كل الأطراف الدفع باتجاه رؤيتها دون كسر الإطار العام للاستقرار.موقف حزب الله وتحذيرات من الانزلاقمن جهته، ينظر حزب الله إلى النقاش الدائر حول ترتيبات الجنوب من زاوية مختلفة، محذراً من تطبيق حلول أمنية جزئية قبل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة. ويرى الحزب أن أي خطوات تدريجية أو ما يسمى بـالمناطق التجريبية قد تحمل مخاطر كبيرة على التوازن الداخلي.ويطرح هذا الموقف سؤالاً محورياً حول طبيعة المهمة التي يمكن أن يُطلب من الجيش اللبناني تنفيذها، وحدود قدرته على العمل في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والعسكرية. كما يحذر الحزب من أن تحميل الجيش مهاماً تتجاوز قدراته أو تُفسر سياسياً بطريقة منحازة قد يؤثر على تماسك المؤسسة العسكرية
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
يشير هذا المشهد إلى أن الجيش اللبناني يقف في قلب معادلة دقيقة تجمع بين الضغط الدولي والانقسام الداخلي والواقع الأمني المعقد في الجنوب. وبينما يُنظر إليه كأحد آخر مؤسسات الدولة التي تحظى بإجماع نسبي، فإن توسيع دوره دون تسوية سياسية شاملة قد يضعه أمام تحديات غير مسبوقة.أما السيناريو الأكثر ترجيحاً، فيتمثل في استمرار الجيش في أداء دوره الحالي كقوة ضبط واستقرار، مع تجنب الانخراط في أي مواجهة داخلية، في انتظار نضوج تفاهمات سياسية أوسع. وفي المقابل، فإن أي فشل في التوصل إلى تسوية متوازنة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط عليه، ما يجعل استقرار لبنان في المرحلة المقبلة مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة القوى السياسية على حماية المؤسسة العسكرية من الاستقطاب.



