التسامح: قوة نفسية تحرر الإنسان، سواء استمرت العلاقة أم انتهت

بقلم:احمد بلال كرمانى
يرتبط مفهوم التسامح في أذهان كثير من الناس بالتغاضي عن الخطأ، أو التنازل عن الحقوق، أو إعادة العلاقة مع من أساء إليه. إلا أن علم النفس يقدم تصورًا مختلفًا وأكثر دقة؛ إذ ينظر إلى التسامح بوصفه عملية نفسية تهدف أساسًا إلى تحرير الفرد من العبء الانفعالي الذي خلفته الإساءة، لا إلى تبريرها أو إنكارها أو التقليل من آثارها.
عندما يتعرض الإنسان للإساءة، فمن الطبيعي أن يشعر بالغضب أو الحزن أو الرغبة في الدفاع عن نفسه. وتُعد هذه الانفعالات استجابات تكيفية تساعد على إدراك الظلم وحماية الحدود الشخصية. لكن المشكلة لا تكمن في ظهور هذه المشاعر، وإنما في استمرارها لفترات طويلة وتحولها إلى اجترار فكري متكرر؛ إذ يعيد الفرد استحضار تفاصيل الإساءة مرارًا، فيظل عالقًا في الماضي، ويستمر الحدث في التأثير في صحته النفسية وربما الجسدية.
من هذا المنطلق، يُعرّف علماء النفس التسامح بأنه عملية تدريجية تنخفض خلالها مشاعر العداء والرغبة في الانتقام، مع تزايد القدرة على تقبل وقوع الإساءة دون أن تظل مهيمنة على التفكير والانفعال. ولا يعني ذلك نسيان ما حدث، أو تبرئة المسيء، أو التخلي عن الحقوق، بل يعني استعادة القدرة على العيش دون أن تبقى التجربة المؤلمة محورًا دائمًا للحياة النفسية.
وتشير البحوث إلى أن التسامح يرتبط بمجموعة من المؤشرات الإيجابية للصحة النفسية، منها انخفاض مستويات الغضب المزمن والقلق والاكتئاب، وتقليل الاجترار الفكري، وهو أحد العوامل التي تسهم في استمرار الضغوط النفسية واضطرابات المزاج. كما أظهرت بعض الدراسات أن برامج تنمية التسامح قد ترتبط بانخفاض مؤشرات التوتر الفسيولوجي، مثل ضغط الدم واستجابة الجسم للضغوط، إلى جانب تحسن جودة الحياة والرضا النفسي، مع ملاحظة أن حجم هذه الآثار يختلف من شخص لآخر ومن موقف لآخر.
ويفسر المنظور المعرفي هذه العملية من خلال الطريقة التي يقيّم بها الفرد الحدث المؤلم. فكلما استمر تفسير الإساءة باعتبارها دليلًا دائمًا على فقدان القيمة الشخصية أو تهديدًا مستمرًا، أصبح تجاوزها أكثر صعوبة. أما عندما يعيد الفرد تقييم التجربة بصورة أكثر واقعية واتزانًا، ويفصل بين الإساءة وهويته أو قيمته الذاتية، فإنه يصبح أكثر قدرة على تنظيم انفعالاته واتخاذ قرار واعٍ بالتسامح.
وفي المقابل، يميز علماء النفس بين التسامح الحقيقي والتسامح الزائف. فالتسامح الحقيقي ينشأ بعد الاعتراف بالألم ومعالجته تدريجيًا، بينما يحدث التسامح الزائف عندما يعلن الفرد أنه سامح استجابة لضغوط اجتماعية أو دينية أو أسرية، في حين تظل مشاعر الغضب أو الأذى دون معالجة. وفي مثل هذه الحالات، قد يؤدي كبت المشاعر إلى استمرار المعاناة النفسية بدلًا من تخفيفها.
ومن المهم أيضًا التمييز بين التسامح والمصالحة. فالتسامح عملية داخلية تهدف إلى تحرير الفرد من الأثر الانفعالي للإساءة، أما المصالحة فهي قرار يتعلق بإعادة بناء العلاقة مع الطرف الآخر، وتتطلب توفر شروط مثل الاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية، وتوافر قدر كافٍ من الأمان والثقة. لذلك، قد يختار الإنسان أن يسامح دون أن يستأنف العلاقة، خاصة إذا كانت الإساءة مستمرة أو كان استمرار العلاقة يهدد سلامته النفسية أو الجسدية.
وفي النهاية، لا يمثل التسامح ضعفًا أو قبولًا بالظلم، كما لا يتعارض مع المطالبة بالحقوق أو السعي إلى العدالة. إنه أحد أشكال التنظيم الانفعالي والمرونة النفسية، يساعد الإنسان على استعادة السيطرة على حياته، وتوجيه طاقته نحو الحاضر والمستقبل بدلًا من استنزافها في الغضب والاجترار. ومن هذا المنظور، فإن التسامح ليس خدمة يقدمها الفرد للمسيء، بل خيارًا شخصيًا يهدف إلى تخفيف العبء النفسي الذي يحمله، سواء انتهت العلاقة أم استمرت ضمن حدود آمنة وصحية.



