كندا تبتعد عن واشنطن وتفتح باب التسليح الأوروبي لحماية الشمال المتجمد
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية نقلًا عن وكالة رويترز، أعلنت الحكومة الكندية خطوة عسكرية لافتة تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد صفقة تسليح تقليدية، بعدما قررت أوتاوا شراء طائرات إنذار مبكر متطورة من شركة سويدية بدلًا من الاعتماد على الطائرات الأميركية المنافسة. القرار الذي أعلنه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يعكس تحولًا واضحًا في السياسة الدفاعية الكندية، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن القطب الشمالي وتزايد التوترات الدولية في المنطقة.
وتسعى كندا من خلال هذه الخطوة إلى تعزيز استقلاليتها العسكرية وتقليل اعتمادها الطويل على الصناعات الدفاعية الأميركية، في وقت يشهد فيه العالم تغيرات جيوسياسية متسارعة دفعت العديد من الدول الغربية إلى إعادة تقييم تحالفاتها العسكرية ومصادر تسليحها. كما يأتي القرار وسط تنامي القلق من التحركات الروسية والصينية في المناطق القطبية، وهو ما دفع أوتاوا إلى الإسراع في تحديث قدراتها الدفاعية الجوية والرقابية.
تحول تاريخي في سياسة التسليح الكندية
يمثل القرار الكندي تحولًا مهمًا في طريقة إدارة أوتاوا لعلاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة، إذ اعتادت كندا لعقود طويلة على الاعتماد شبه الكامل على السلاح الأميركي والتنسيق الأمني المباشر مع واشنطن. لكن الحكومة الحالية تبدو أكثر رغبة في تنويع مصادر التسليح وتوسيع التعاون مع الشركاء الأوروبيين، خاصة في المجالات المرتبطة بالتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس رغبة كندية في بناء سياسة دفاعية أكثر استقلالًا، خصوصًا بعد الخلافات التجارية والسياسية التي ظهرت خلال السنوات الماضية بين البلدين، والتي أثارت تساؤلات داخل الأوساط السياسية الكندية حول مدى موثوقية الاعتماد الكامل على الشريك الأميركي في الملفات الحساسة.
القطب الشمالي يدخل مرحلة عسكرية جديدة
التحركات الكندية الجديدة ترتبط بشكل مباشر بالصراع المتزايد على النفوذ في القطب الشمالي، وهي منطقة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس دولي بسبب الثروات الطبيعية الضخمة والممرات البحرية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد.
وأكد رئيس الوزراء الكندي أن الطائرات الجديدة ستمنح الجيش قدرات متطورة لرصد أي تهديدات محتملة ومراقبة المساحات القطبية الشاسعة التي تمتلكها البلاد. وتسعى أوتاوا إلى تعزيز وجودها العسكري في الشمال بعدما ظلت تعتمد لفترات طويلة على الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة لتأمين هذه المنطقة الحساسة.
ويخشى خبراء الأمن الدولي من أن يؤدي التصعيد العسكري في القطب الشمالي إلى سباق نفوذ جديد بين القوى الكبرى، خاصة مع تزايد النشاط الروسي والصيني في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة.
ضربة سياسية واقتصادية للصناعات الأميركية
اختيار الطائرة السويدية بدلًا من الطائرة الأميركية المنافسة يحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية مهمة، خصوصًا أن الشركة الأميركية واجهت انتقادات بسبب تأخر بعض برامجها العسكرية وارتفاع تكاليف التشغيل.
كما أن القرار يأتي في توقيت حساس تشهد فيه العلاقات التجارية بين أوتاوا وواشنطن توترات متكررة بسبب الرسوم الجمركية والخلافات الاقتصادية، ما جعل بعض المحللين يعتبرون الصفقة رسالة سياسية غير مباشرة تعكس رغبة كندا في تقليل ارتهانها للصناعات العسكرية الأميركية.
وقد يفتح هذا القرار الباب أمام مراجعة صفقات عسكرية أخرى مستقبلًا، خاصة في ما يتعلق بمقاتلات الجيل الجديد التي سبق أن تعاقدت كندا على شرائها من الولايات المتحدة.
السويد توسع نفوذها العسكري داخل التحالف الغربي
الصفقة تمنح السويد مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا بعد انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، حيث تسعى ستوكهولم إلى توسيع حضورها العسكري والتقني داخل المنظومة الغربية.
وأعلنت الشركة السويدية نيتها الاستثمار في مشاريع أبحاث وتطوير داخل كندا ضمن الاتفاق المرتقب، ما يعني أن الصفقة لن تقتصر على شراء الطائرات فقط، بل قد تمتد إلى شراكات صناعية وتكنولوجية طويلة الأمد.
كما تعزز الخطوة التقارب بين كندا ودول شمال أوروبا في الملفات الأمنية الخاصة بالقطب الشمالي، وهو تعاون مرشح للتوسع خلال السنوات المقبلة في ظل التغيرات الدولية المتسارعة.

ماذا يعني هذا التحول للعالم؟
يعكس القرار الكندي اتجاهًا عالميًا متزايدًا نحو تنويع مصادر السلاح وعدم الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في الصناعات الدفاعية. وإذا استمرت هذه السياسة، فقد يشهد العالم خلال السنوات المقبلة صعودًا أكبر للشركات الأوروبية داخل سوق السلاح العالمي.
كما أن التركيز المتزايد على أمن القطب الشمالي ينذر بتحول المنطقة إلى واحدة من أكثر بؤر التوتر الجيوسياسي حساسية، خاصة مع سعي القوى الكبرى إلى تعزيز وجودها العسكري هناك لحماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
ويرى محللون أن العالم قد يكون أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات الدفاعية داخل المعسكر الغربي نفسه، مع تزايد رغبة بعض الدول في امتلاك هامش أكبر من الاستقلالية العسكرية والسياسية.



