أنتاركتيكا هي الحدود الأخيرة: السعي لإنقاذ سفينة شاكلتون إندورانس
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تتصاعد المخاوف الدولية بشأن مصير حطام سفينة Endurance الشهيرة، التي غرقت في مياه القارة القطبية الجنوبية عام 1915 خلال رحلة المستكشف البريطاني Ernest Shackleton. وبعد أكثر من قرن من بقائها محفوظة بشكل استثنائي في أعماق بحر ويديل القاسي، يحذر علماء البيئة والباحثون من أن التغيرات المناخية المتسارعة قد تفتح الباب أمام مخاطر غير مسبوقة تهدد الحطام التاريخي، سواء من خلال زيادة نشاط الاستكشاف البحري أو ظهور كائنات بحرية جديدة قادرة على التهام الأخشاب التي ظلت سليمة لعقود طويلة. وفي ظل هذه التهديدات، تتجه الجهود الدولية نحو إنشاء أول منطقة بحرية محمية تحت الماء في محيط السفينة، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على واحد من أهم الشواهد التاريخية المرتبطة بعصر الاستكشاف القطبي.

حطام صمد أكثر من قرن في وجه الطبيعة
لطالما اعتُبرت سفينة “إندورانس” رمزًا للصمود والمغامرة، إذ ظلت مختفية تحت الجليد والمياه العميقة لأكثر من 100 عام قبل اكتشافها عام 2022. ويرجع الفضل في بقائها بحالة شبه سليمة إلى البيئة القاسية في بحر ويديل، الذي يُعد من أكثر المناطق البحرية عزلة وصعوبة في الوصول على سطح الأرض.
وعلى الرغم من أن الجليد الكثيف والتيارات العنيفة كانت تمثل عائقًا أمام عمليات البحث والاستكشاف لعقود طويلة، فإن هذه الظروف نفسها تحولت إلى درع طبيعي حافظ على الحطام من التآكل والتدخل البشري. لكن العلماء يؤكدون اليوم أن هذه الحماية الطبيعية بدأت تضعف تدريجيًا مع تراجع الجليد الموسمي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة العالمية.

التغير المناخي يفتح أبوابًا جديدة للمخاطر
يشير الخبراء إلى أن الانخفاض المستمر في الغطاء الجليدي بالقارة القطبية الجنوبية يجعل المناطق النائية أكثر سهولة للوصول من قبل السفن السياحية والبعثات العلمية وحتى المركبات الغاطسة الخاصة.
ومع تحسن التكنولوجيا البحرية وتوسع أنشطة الاستكشاف في المناطق القطبية، يزداد احتمال تعرض الحطام لضغوط بشرية مباشرة أو غير مباشرة. كما أن زيادة حركة السفن قد تؤدي إلى إدخال أنواع بحرية دخيلة لم تكن موجودة سابقًا في البيئة القطبية، وهو ما يثير مخاوف بيئية كبيرة بشأن مستقبل الموقع التاريخي الفريد.

اكتشاف كائن غامض يثير قلق العلماء
من أبرز التطورات التي أثارت اهتمام الباحثين اكتشاف نوع من القشريات البحرية بالقرب من الحطام يُعتقد أنه غير معروف علميًا حتى الآن. ويكمن القلق في أن بعض الأنواع القريبة منه تتغذى على الأخشاب، ما يفتح باب التساؤلات حول إمكانية تحول السفينة إلى مصدر غذاء لكائنات لم تكن قادرة سابقًا على العيش في درجات الحرارة القطبية المنخفضة.
ويؤكد علماء الأحياء البحرية أن القارة القطبية كانت حتى وقت قريب واحدة من المناطق النادرة التي لا توجد فيها كائنات متخصصة في استهلاك الأخشاب البحرية، وهو ما ساعد على بقاء سفينة “إندورانس” بحالتها المميزة. لكن تغير الظروف البيئية قد يغير هذه المعادلة التاريخية بشكل جذري خلال العقود المقبلة.
مشروع دولي لإنشاء أول محمية بحرية تحت الماء
في مواجهة هذه التحديات، تقدمت UK Antarctic Heritage Trust بمقترح لإنشاء منطقة محمية خاصة حول موقع الحطام، بحيث تصبح أول منطقة أثرية بحرية محمية تحت الماء في القارة القطبية الجنوبية.
وقد حظي المقترح بدعم واسع خلال اجتماعات الدول المعنية بإدارة الأنشطة البشرية في القارة القطبية، إلا أن اعتماده النهائي ما زال يتطلب موافقة Commission for the Conservation of Antarctic Marine Living Resources، وهي الهيئة الدولية المسؤولة عن حماية الموارد البحرية في المنطقة. ويرى مؤيدو المشروع أن الخطوة ضرورية لحماية التراث الإنساني والبيئي معًا.

القارة القطبية.. المختبر الأخير لدراسة مستقبل الكوكب
لا تقتصر أهمية السفينة على بعدها التاريخي فقط، بل تحولت إلى مختبر طبيعي نادر يسمح للعلماء بمراقبة كيفية تفاعل النظم البيئية البحرية مع التغير المناخي على مدى أكثر من قرن.
فالحطام يوفر فرصة فريدة لدراسة تطور الكائنات البحرية في بيئة شديدة البرودة، كما يساعد الباحثين على فهم التأثيرات المحتملة لذوبان الجليد وتغير أنماط الحياة البحرية في أعماق المحيطات. ولذلك ينظر كثير من العلماء إلى الموقع باعتباره سجلًا حيًا للتغيرات البيئية التي قد يشهدها العالم خلال العقود القادمة.
ماذا يعني هذا الحدث؟ وما السيناريو المتوقع؟
يعكس الجدل الدائر حول حماية “إندورانس” تحولًا أوسع في النظرة العالمية إلى التراث البحري والبيئي. فالمخاطر التي تهدد السفينة ليست محلية أو تاريخية فحسب، بل ترتبط مباشرة بأحد أكبر التحديات العالمية المتمثلة في التغير المناخي.
وفي حال وافقت الجهات الدولية المختصة على إنشاء المنطقة المحمية خلال الأشهر المقبلة، فمن المرجح فرض قيود صارمة على عمليات الاقتراب والاستكشاف في محيط الحطام. أما إذا استمرت وتيرة الاحترار العالمي الحالية، فقد تشهد المنطقة تغيرات بيئية متسارعة تسمح بظهور أنواع جديدة من الكائنات البحرية وتزيد من النشاط البشري في واحدة من أكثر بقاع الأرض عزلة، ما قد يجعل حماية السفينة أكثر تعقيدًا في المستقبل.



