جدل في بريطانيا: هل تُموَّل ميزانية الدفاع على حساب الرفاه الاجتماعي أم عبر إصلاح الهدر العسكري؟
وفقًا لتقرير نشرته الجارديان، أثارت الكاتبة بولي توينبي نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية البريطانية حول الطريقة المثلى لتمويل الزيادة المتوقعة في ميزانية الدفاع، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وعودة الحديث عن مواجهة طويلة الأمد مع روسيا. التقرير يطرح تساؤلات حادة حول ما إذا كان ينبغي تمويل التوسع العسكري عبر تقليص الإنفاق الاجتماعي، أو بدلاً من ذلك عبر إصلاحات داخل وزارة الدفاع نفسها ومعالجة الهدر المالي المتراكم داخلها.
وتشير الكاتبة إلى أن الخطاب السياسي في بريطانيا بات يميل إلى تصوير العلاقة بين “الدفاع” و”الرفاه الاجتماعي” على أنها علاقة تصادمية صفرية، حيث يتم تقديم أي زيادة في الإنفاق العسكري على أنها تتطلب تلقائيًا تقليصًا في دعم الفئات الأكثر ضعفًا. هذا الطرح، بحسب المقال، يغفل جذور المشكلة الحقيقية المتعلقة بسوء إدارة الإنفاق الدفاعي، وتأخر المشاريع الكبرى، وتضخم التكاليف بشكل غير مبرر.
في الوقت نفسه، يتزامن هذا الجدل مع ضغوط متزايدة على الحكومة البريطانية لتعزيز قدراتها الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي، في وقت تتراجع فيه الضمانات الأمنية الأمريكية التقليدية لأوروبا، ما يدفع نحو إعادة تقييم شاملة لأولويات الإنفاق العام.
تضخم الإنفاق العسكري مقابل سؤال الكفاءة
يركز المقال على أن أحد أبرز الإشكالات في النقاش البريطاني ليس حجم الإنفاق الدفاعي بحد ذاته، بل مدى كفاءته. إذ تشير التقارير إلى أن مشاريع عسكرية كبرى مثل برامج المركبات المدرعة والغواصات الاستراتيجية شهدت تأخيرات تمتد لسنوات وتكاليف تضاعفت بشكل كبير مقارنة بالتقديرات الأولية.
كما يلفت التقرير إلى أن أجهزة الرقابة المالية في المملكة المتحدة لم تتمكن من اعتماد حسابات وزارة الدفاع بشكل كامل في بعض السنوات، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول إدارة الموارد العامة. ووفق هذا الطرح، فإن أي زيادة إضافية في الميزانية العسكرية دون إصلاحات هيكلية قد تعني ببساطة تكرار نفس أوجه القصور دون معالجة جذورها.
جدل “السلاح مقابل الرفاه”: خطاب سياسي متصاعد
ينتقد المقال بشدة ما وصفه بـ”الثنائية المضللة” بين الإنفاق الدفاعي والإنفاق الاجتماعي، والتي باتت تستخدم بكثافة في الخطاب السياسي، خصوصًا من جانب بعض التيارات المحافظة. ويشير إلى أن تصوير الرفاه الاجتماعي باعتباره عبئًا مباشرًا على ميزانية الدفاع يتجاهل التعقيدات الفعلية لتوزيع الإنفاق الحكومي.
كما يلفت إلى أن جزءًا كبيرًا من الخطاب العام يركز على تقليص الدعم الاجتماعي للفئات الضعيفة، بينما يتم تجاهل بنود أخرى في ميزانية الرفاه، مثل الإنفاق المتزايد على المعاشات التقاعدية، الذي يشكل أحد أكبر عناصر الإنفاق العام في بريطانيا.
المعاشات التقاعدية في قلب الجدل المالي
يبرز المقال أن أحد أهم محركات نمو الإنفاق الاجتماعي في بريطانيا يتمثل في نظام “الضمان الثلاثي” للمعاشات التقاعدية، والذي يضمن زيادة سنوية تفوق معدلات نمو إعانات البطالة. ويرى بعض الخبراء أن هذا النظام أدى إلى تضخم كبير في فاتورة التقاعد خلال السنوات الأخيرة.
وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن إصلاح هذا النظام وربطه بمعدلات النمو الاقتصادي أو الأجور قد يوفر مليارات الجنيهات سنويًا، دون الحاجة إلى خفض الدعم الموجه للفئات الأكثر هشاشة مثل الأسر ذات الدخل المنخفض أو ذوي الإعاقة.

إعادة تعريف أولويات الدولة البريطانية
يناقش المقال أيضًا التحولات الأوسع في السياسة البريطانية، حيث تجد الحكومة نفسها بين ضغطين متناقضين: ضرورة تعزيز الإنفاق الدفاعي لمواجهة التهديدات الخارجية، والحفاظ على التماسك الاجتماعي في الداخل. ويؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين “المدافع والزبدة”، بل في كيفية تحسين كفاءة الإنفاق العام ككل.
ويشير إلى أن بعض المقترحات السياسية تدعو إلى تمويل إضافي للدفاع عبر أدوات مبتكرة مثل السندات الوطنية أو الحوافز الاستثمارية، بدلًا من اللجوء المباشر إلى تقليص البرامج الاجتماعية.
سيناريوهات مستقبلية: إصلاح أم تقليص؟
بحسب التحليل، فإن السيناريو الأقرب في بريطانيا يتمثل في مزيج من زيادة تدريجية في ميزانية الدفاع، بالتوازي مع محاولات إصلاح داخلية للحد من الهدر المالي في وزارة الدفاع، بدلاً من اقتطاعات كبيرة من برامج الرفاه الاجتماعي.
لكن يبقى السيناريو الأكثر جدلًا هو استمرار استخدام الخطاب السياسي الذي يضع الدفاع في مواجهة الرفاه، وهو ما قد يؤدي إلى توترات اجتماعية متزايدة إذا لم يتم تقديم حلول متوازنة تعالج الطرفين معًا.
وفي المحصلة، يطرح المقال سؤالًا جوهريًا: هل تكمن مشكلة بريطانيا في نقص التمويل، أم في طريقة إدارة الإنفاق ذاته؟



