إيران واتفاقيات إبراهيم .. هل يقود الصراع إلى المصالحة ؟
منذ الإعلان عن اتفاقيات إبراهيم عام 2020 ، لم تنظر إيران إلى تلك الاتفاقيات باعتبارها
مجرد تفاهمات دبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية ، بل اعتبرتها مشروعاً
استراتيجياً يستهدف إعادة رسم خريطة التحالفات فى الشرق الأوسط بما يحد من
نفوذها الإقليمى ويقوض شبكة العلاقات التي بنتها عبر عقود من الصراع والتنافس على النفوذ .
فقد قامت الفكرة الأساسية لاتفاقيات إبراهيم على تطبيع العلاقات بين إسرائيل
وعدد من الدول العربية ، وإطلاق مسارات للتعاون الاقتصادى والتكنولوجى والأمنى
برعاية أمريكية ، وبينما رأت الدول الموقعة أن الاتفاقيات تمثل فرصة لبناء شرق أوسط
أكثر استقراراً وازدهاراً ، اعتبرتها طهران نواة لتحالف إقليمى موجه ضدها .
ولسنوات طويلة بدت المعادلة واضحة ؛ إسرائيل والدول المنضمة لاتفاقيات إبراهيم في جانب
، وإيران ومحورها الإقليمى فى الجانب الآخر ، لكن الشرق الأوسط لا يعرف الثبات ، وما بدا ثابتاً
بالأمس أصبح اليوم محل مراجعة وإعادة تقييم .
فالحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران ووكلائها من جهة أخرى
لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة ، بل مثلت نقطة تحول تاريخية أعادت صياغة حسابات جميع الأطراف .
لقد كشفت الحرب حدود القوة وحدود الردع في الوقت نفسه ، وأثبتت أن أياً من الأطراف غير قادر على فرض إرادته كاملة على الطرف الآخر دون تكلفة باهظة .
ورغم الخسائر التي تعرض لها محور الحلفاء الإقليميين لإيران ، فإن طهران أثبتت أنها ما زالت
رقماً صعباً في معادلة الشرق الأوسط ، وأن استبعادها من أى ترتيبات إقليمية مستقبلية ليس أمراً واقعياً
وفى المقابل ، أدركت إيران أن الاعتماد المطلق على سياسة المواجهة واستنزاف الخصوم عبر الوكلاء لم يعد يحقق المكاسب ذاتها التي كان يحققها فى السابق .
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة تختلف عن كل ما سبقها ، فبعد سنوات من القطيعة والتوتر
انتقلت الاتصالات بين واشنطن وطهران من الرسائل غير المباشرة إلى مسار تفاوضى مباشر
وقد لا تكون هذه المفاوضات مجرد محاولة لوقف إطلاق النار أو إدارة أزمة مؤقتة
بل قد تكون بداية لعملية سياسية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمى بأكمله .
وهنا يبرز سؤال لم يكن مطروحاً قبل سنوات قليلة : هل يمكن أن تصبح إيران جزءاً من الشرق الأوسط
الذي أنتجته اتفاقيات إبراهيم ؟
قد يبدو السؤال صادماً ، بل وربما مستحيلاً في نظر كثيرين ، فإيران قامت منذ الثورة الإسلامية
عام 1979 على رفض الاعتراف بإسرائيل ، وجعلت من معاداة الدولة العبرية جزءاً أساسياً من
خطابها السياسى والإيديولوجى . كما أن اتفاقيات إبراهيم نفسها قامت على فكرة التطبيع الكامل والانفتاح والتعاون بين إسرائيل وعدد من الدول العربية .
لكن التاريخ السياسى يعلمنا أن المصالح كثيراً ما تتغلب على الشعارات
فالصين والولايات المتحدة انتقلتا من العداء إلى الحوار ، وواشنطن تفاوضت مع خصوم أكثر عداءً من إيران
عندما اقتضت المصالح ذلك ، كما أن المنطقة نفسها شهدت تحولات كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات
ثم أصبحت واقعاً سياسياً لا يثير الدهشة .
وربما لا يكون السؤال الحقيقى هو : هل ستوقع إيران على اتفاقيات إبراهيم ؟ بل : هل ستقبل إيران بالتعايش مع النظام الإقليمى الجديد الذي أفرزته تلك الاتفاقيات ؟
فمن المحتمل أن لا تنضم طهران رسمياً إلى الاتفاقيات ، لكنها قد تجد نفسها مضطرة
للتعامل مع واقع جديد يقوم على التعاون الاقتصادى والتكنولوجى والأمنى بين دول المنطقة
بما في ذلك إسرائيل . وقد يكون الهدف الأمريكى في المرحلة المقبلة ليس تحقيق سلام
مباشر بين إيران وإسرائيل ، وإنما دمج إيران في منظومة إقليمية أكثر استقراراً ، بحيث تتحول
من عنصر صدام دائم إلى طرف ملتزم بقواعد توازن جديدة .
وإذا تحقق ذلك ، فإن اتفاقيات إبراهيم ستتحول من مشروع للتطبيع بين دول كانت متخاصمة
إلى مشروع أوسع لإعادة دمج الخصوم التاريخيين داخل نظام إقليمى واحد .
لقد كانت الاتفاقيات في بدايتها محاولة لإعادة ترتيب العلاقات العربية الإسرائيلية
لكنها قد تصبح مستقبلاً إطاراً لإعادة صياغة الشرق الأوسط كله .
ويبقى السؤال مفتوحاً : هل تقود الحرب إلى سلام مختلف؟
وهل تكون المفارقة الكبرى أن الصراع الذي خاضته إيران لسنوات ضد النظام الإقليمى الجديد
هو نفسه الذي يدفعها في النهاية إلى البحث عن مكان داخل هذا النظام ؟
لا أحد يملك الإجابة الآن ، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط الذى يخرج من تحت أنقاض الحرب
ليس هو الشرق الأوسط الذي عرفناه قبلها ، وأن ما كان مستحيلاً بالأمس أصبح اليوم
احتمالاً سياسياً مطروحاً على طاولة البحث والنقاش .
وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقى للتحولات الكبرى ؛ أنها لا تغير موازين القوى فقط
بل تغير أيضاً الأسئلة التى يطرحها التاريخ على شعوبه وقادته .



