هيروشيما تسأل العالم : هل تعلّمتم الدرس ؟
بقلم:محمد عادل كرمانى
في السادس من أغسطس ، يتوقف الزمن عند لحظة واحدة ، مدينة كاملة تحولت إلى رماد في ثوانٍ معدودة ، ومنذ تلك اللحظة والعالم يعيش على حافة سؤال واحد لا يجرؤ أحد على الإجابة عنه بيقين : هل يمكن أن يتكرر ما حدث ؟
ثمانون عاماً وأكثر مرت ، والقنبلة التي كان يُفترض أن تكون درساً رادعاً ، تحولت إلى بداية سباق ، لم تتراجع الدول عن السلاح النووى ، بل تكاثرت الترسانات وتطورت الدقة فى التدمير ، وعاد الحديث عن الردع النووى ليتصدر خطاب الساسة والعسكريين من جديد بعد سنوات من الهدوء الخادع .
انظر إلى خريطة العالم اليوم وستجد كل بؤر التوتر مشتعلة في وقت واحد ؛ الحرب الروسية الأوكرانية أعادت للأذهان أن “ الخيار النووى ” لم يعد كلمة تُقال للتخويف فقط ، والصراع الأمريكى الصينى حول تايوان يتقدم بخطى متسارعة ، تحمل في طياتها سباق تسلح لا يقل خطورة ، وفى الشرق الأوسط ، لا يزال الملف النووى الإيرانى جمراً تحت الرماد ، قادراً على إشعال سباق تسلح إقليمى في أى لحظة يشعر فيها جار بأن ميزان القوة قد اختل ، وكل أزمة جديدة تضرب ما تبقى من ثقة في اتفاقيات الحد من التسلح التي بُنيت بعد الحرب الباردة بجهد وصبر ، فبدل أن تُقلَّص الترسانات تُحدَّث ، وبدل أن يتراجع السلاح النووى عن العقيدة العسكرية ، يزداد حضوره فيها .
فهل نحن إذن على أبواب حرب نووية ؟
الحقيقة ، وبصراحة لا لبس فيها : لا توجد اليوم مؤشرات موثوقة تنذر بحرب نووية شاملة ، فمنطق الردع المتبادل لا يزال قائماً ، وكل قوة نووية تعرف أن استخدام هذا السلاح لن يُبقى لأحد نصراً يستحق الاحتفال به .
لكن هذا لا يعنى أن نغرق في اطمئنان زائف ، فالحروب الكبرى – كما يعلّمنا التاريخ – لم تكن دائماً وليدة قرار مدروس ، فكثير منها اندلع بسبب خطأ فى التقدير ، أو حساب خاطئ ، أو تصعيد لم يجد من يوقفه في الوقت المناسب ، واليوم تتزامن الأزمات كما لم تتزامن من قبل : حرب فى أوروبا ، وتنافس محتدم في آسيا ، وتوتر لا يهدأ فى الشرق الأوسط ، كل ذلك في ظل ثورة تقنية لم يشهدها العالم من قبل ، من الصواريخ فرط الصوتية إلى الأنظمة المسيّرة والذكاء الاصطناعى ، عوامل تجعل قرار الحرب أو السلام أسرع من أن يُدرَك ، وأخطر من أن يُحتوى .
وهنا تستعيد هيروشيما معناها الحقيقى ، ليست صفحة فى كتاب تاريخ نقرأها ونمضى ، بل تحذير حى : أن تملك القوة لا يعنى أن تملك السيطرة على ما تخلّفه من دمار .
العالم اليوم لا يخوض حرباً نووية ، لكنه يعيش على أعصاب مشدودة ، فى زمن ترتفع فيه احتمالات الخطأ أكثر من أى وقت مضى ، وبين من يطمئننا زيادة عن اللزوم ، ومن يهوّل بلا مبرر ، تبقى حقيقة واحدة لا تحتمل الجدل : السلام العالمى أصبح أكثر هشاشة مما كان ، وحمايته تحتاج دبلوماسية أكثر جدية ، وقنوات اتصال لا تنقطع ، وقادة يدركون أن ضغطة زر واحدة قد تكتب نهاية لا رجعة فيها .
وفي ذكرى هيروشيما ، يبقى السؤال معلقاً فوق رؤوس القادة قبل الشعوب : هل كانت تلك المدينة آخر ضحايا القنبلة الذرية ، أم مجرد الإنذار الأول الذى لم تفهمه البشرية بعد !؟
إقرأ أيضا:
البحرية الأمريكية تكشف تفاصيل تجربة سرية للبلازما فوق المحيط الهادئ.. صاروخ بحثي يصل إلى الفضاء



