ضغوط متصاعدة على أكراد إيران بعد التفاهم الأمريكي الإيراني.. هل تبدأ طهران مرحلة جديدة من ملاحقة المعارضين؟

وفقًا لتقرير نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تتزايد المخاوف داخل أوساط الفصائل الكردية الإيرانية المعارضة المتمركزة في إقليم كردستان العراق من أن يكون اتفاق وقف الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران مقدمة لتحول جديد في سياسة طهران تجاه خصومها خارج الحدود. فبعد أشهر من المواجهات العسكرية والضربات المتبادلة، يبدو أن السلطات الإيرانية بدأت في تكثيف تحركاتها الأمنية والدبلوماسية لملاحقة قيادات المعارضة الكردية، بالتزامن مع ضغوط متزايدة على الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان لتنفيذ الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران عام 2023. ويأتي ذلك وسط استمرار الاشتباكات داخل الأراضي الإيرانية، وتصاعد المخاوف من أن يتحول الهدوء النسبي بين واشنطن وطهران إلى فرصة لإعادة ترتيب الملفات الداخلية، وفي مقدمتها ملف المعارضة الكردية المسلحة، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول مستقبل هذه الجماعات وانعكاسات التطورات على أمن العراق واستقرار المنطقة.
اتفاق واشنطن وطهران يغيّر حسابات الفصائل الكردية
شهدت الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تصعيدًا غير مسبوق، قبل أن تنتهي بتوقيع مذكرة تفاهم في 17 يونيو لوقف الأعمال العدائية. وخلال تلك الفترة تعرضت مقار الفصائل الكردية الإيرانية الموجودة داخل إقليم كردستان العراق لضربات بطائرات مسيرة وصواريخ إيرانية أسفرت عن سقوط قتلى، بينما تحدثت تقارير إعلامية عن وجود تصورات أمريكية وإسرائيلية للاستفادة من هذه الفصائل في فتح جبهة داخل إيران، إلا أن هذه الخطط لم تدخل حيز التنفيذ، لتبدأ بعد انتهاء الحرب مرحلة جديدة تتسم بالضغوط السياسية والأمنية على تلك الجماعات.
طهران تكثف ملاحقة قادة المعارضة داخل العراق وخارجه
أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى أن السلطات أصدرت مذكرات توقيف دولية بحق عدد من أبرز قيادات الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، مطالبة دولًا أوروبية والعراق بتوقيفهم وتسليمهم. وتشمل القائمة قيادات عدة تنظيمات شكلت في فبراير الماضي تحالفًا معارضًا، من بينها حزب الحياة الحرة الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب حرية كردستان، وحزب كومله. كما شهدت مدينة أربيل مطلع يوليو اغتيال أحد أعضاء حزب حرية كردستان، في حادثة اعتبرها مراقبون مؤشرًا إضافيًا على تصاعد الضغوط التي تواجهها المعارضة الكردية خارج إيران.
بغداد وأربيل أمام اختبار الاتفاق الأمني مع إيران
تسعى طهران أيضًا إلى دفع الحكومة العراقية لتطبيق الاتفاق الأمني الموقع عام 2023، والذي ينص على نزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية المنتشرة قرب الحدود. إلا أن تنفيذ هذا الاتفاق يواجه تعقيدات، لأن معظم هذه الفصائل تتمركز داخل مناطق تخضع لسلطة حكومة إقليم كردستان التي تتمتع بصلاحيات واسعة. وتشير المناقشات الجارية بين بغداد وأربيل إلى حساسية الملف، خاصة مع احتمال ممارسة ضغوط إضافية على الأحزاب الكردية لتقليص نشاطها السياسي والعسكري أو مغادرة الإقليم إذا شهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية مزيدًا من الانفراج.
تصاعد المواجهات داخل إيران رغم الهدنة
بالتزامن مع التحركات السياسية، شهدت المناطق الكردية داخل إيران مواجهات بين الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الحياة الحرة الكردستاني، أسفرت عن سقوط قتلى من الجانبين، كما قتل عدد من مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني خلال اشتباكات قرب مدينة بيرانشهر. وفي المقابل، أكدت جماعات كردية أنها التزمت الحياد خلال الحرب الأخيرة ولم تستغل انشغال إيران لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة، معتبرة أن التصعيد الحالي يعكس رغبة السلطات الإيرانية في تشديد قبضتها الأمنية تحت ذريعة حماية الأمن القومي.
مخاوف من تنازلات كردية مقابل الحفاظ على استقرار الإقليم
يرى باحثون وممثلون عن المعارضة الكردية أن طهران تعتبر الفصائل الكردية أحد أبرز مصادر التهديد المحتملة مستقبلاً، ولذلك قد تستغل مرحلة التهدئة مع الولايات المتحدة للتركيز على هذا الملف. وفي الوقت نفسه، يخشى معارضون أكراد من أن تضطر حكومة إقليم كردستان إلى تقديم تنازلات لإيران من أجل الحفاظ على استقرار الإقليم وعلاقاته مع بغداد وطهران، خاصة بعد مشاركة مسؤولين أكراد في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، الذي قُتل خلال الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية وفق ما أورده التقرير.
مستقبل غامض رغم استمرار المفاوضات
ورغم التهدئة الحالية، لا تزال الشكوك تحيط بمستقبل الاتفاق بين واشنطن وطهران، إذ أشار التقرير إلى وقوع تبادل للضربات بين الطرفين لاحقًا قبل إعادة الالتزام بوقف إطلاق النار، فيما يفترض أن تتوصل الدولتان إلى اتفاق نهائي خلال الفترة المحددة في مذكرة التفاهم. وترى شخصيات من المعارضة الكردية أن أي اتفاق سياسي لن يعالج جذور الأزمة المرتبطة بالأوضاع الداخلية في إيران، مؤكدين أن الضغوط الأمنية قد تتزايد، لكن ذلك لن ينهي النشاط السياسي الكردي أو مطالبه، التي ستستمر بوسائل سياسية ودبلوماسية واجتماعية، إضافة إلى ما تصفه الجماعات بحقها في الدفاع المشروع عن النفس عند الضرورة.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريوهات المقبلة؟
تعكس التطورات الأخيرة انتقال الصراع بين إيران والمعارضة الكردية إلى مرحلة يغلب عليها الطابع الأمني والدبلوماسي، مستفيدة من تراجع حدة المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران. وإذا استمرت المفاوضات بين الجانبين، فمن المرجح أن تزداد الضغوط على بغداد وحكومة إقليم كردستان لتقييد نشاط الفصائل الإيرانية المعارضة، بينما قد يؤدي أي انهيار للاتفاق إلى عودة التصعيد العسكري في المنطقة، وهو ما سيجعل الجماعات الكردية مرة أخرى جزءًا من المشهد الأمني الإقليمي. وفي جميع الأحوال، يبقى مستقبل هذه الفصائل مرتبطًا بتطور العلاقات الأمريكية الإيرانية، وبقدرة العراق وإقليم كردستان على تحقيق توازن دقيق بين التزاماتهما الأمنية والحفاظ على استقرارهما الداخلي.
اقراء أيضاً:
فايننشال تايمز: كيف ستقاتل أوروبا بدون أمريكا



