صدمة في طوكيو واشنطن تؤجل صواريخ توماهوك اليابانية بعد استنزاف مخزونها في حرب إيران

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة Financial Times، أبلغت الولايات المتحدة الحكومة اليابانية بتوقع تأخيرات كبيرة في تسليم صواريخ “توماهوك” بعيدة المدى، بعدما استنزفت الحرب ضد إيران جزءًا ضخمًا من المخزون الأمريكي من الذخائر الدقيقة. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس بالنسبة لليابان، التي كانت تعول على حصولها على 400 صاروخ “توماهوك” لتعزيز قدراتها الردعية في مواجهة الصين والتوترات المتصاعدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وبحسب التقرير، فإن وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth أبلغ نظيره الياباني Shinjiro Koizumi خلال اتصال هاتفي هذا الشهر بأن عمليات التسليم قد تتأخر لفترة تصل إلى عامين إضافيين، بسبب أولوية وزارة الدفاع الأمريكية لإعادة بناء ترسانتها العسكرية بعد حملة “عملية الغضب الملحمي” ضد إيران. ويثير هذا التطور مخاوف متزايدة داخل آسيا بشأن قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها العسكرية في أكثر من جبهة في الوقت نفسه، خصوصًا مع تصاعد المنافسة مع الصين واستمرار الحرب الأوكرانية.

صواريخ توماهوك في قلب استراتيجية الردع اليابانية
كانت اليابان قد وقعت صفقة بقيمة 2.35 مليار دولار للحصول على صواريخ “توماهوك” لأول مرة عام 2024، ضمن تحول استراتيجي كبير في العقيدة الدفاعية اليابانية. وتمثل هذه الصواريخ، التي يصل مداها إلى نحو 1600 كيلومتر، عنصرًا أساسيًا فيما تسميه طوكيو “قدرات الضربة المضادة”، أي القدرة على استهداف قواعد ومنشآت عسكرية معادية في حال تعرض اليابان لهجوم.
وتنظر طوكيو إلى هذه المنظومة باعتبارها أداة ضرورية لموازنة التفوق الصاروخي الصيني، خاصة أن بكين تمتلك آلاف الصواريخ بعيدة المدى القادرة على ضرب أهداف داخل اليابان. لذلك فإن أي تأخير في التسليم لا يُعد مجرد مشكلة لوجستية، بل يمثل ضربة مباشرة لخطط الردع اليابانية التي بُنيت على أساس وصول هذه الصواريخ في المواعيد المحددة.
حرب إيران تستنزف الترسانة الأمريكية

التقرير يكشف جانبًا مهمًا من التداعيات العسكرية للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي انتهت رسميًا في مايو 2026. فخلال العملية العسكرية، استخدمت الولايات المتحدة أعدادًا ضخمة من صواريخ “توماهوك”، حيث تشير تقديرات مركز Center for Strategic and International Studies إلى إطلاق أكثر من ألف صاروخ خلال خمسة أسابيع فقط.
هذا الرقم يعادل نحو ثلث المخزون الأمريكي قبل الحرب، وهو ما دفع البنتاجون إلى إعادة ترتيب أولوياته العسكرية عالميًا. والأزمة لا تتعلق فقط بإنتاج صواريخ جديدة، بل أيضًا بالمدة الزمنية الطويلة المطلوبة للتصنيع، إذ تستغرق عمليات إنتاج وتسليم “توماهووك” للقوات الأمريكية نفسها قرابة أربع سنوات منذ تخصيص التمويل.
آسيا تدفع ثمن أولوية الشرق الأوسط
التأخير الأمريكي أثار قلقًا واسعًا بين الحلفاء الآسيويين، الذين كانوا قد تلقوا تطمينات متكررة من إدارة الرئيس Donald Trump بأن منطقة آسيا والمحيط الهادئ تمثل “الأولوية الاستراتيجية” للولايات المتحدة. لكن التطورات الأخيرة تعطي انطباعًا معاكسًا، مع تحويل كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر من آسيا إلى الشرق الأوسط لدعم العمليات ضد إيران.
ويرى خبراء أمنيون أن هذه التحركات قد تُضعف قدرة الردع الأمريكية أمام الصين، خاصة في ملف تايوان. كما أن سحب بعض منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية من آسيا لصالح الشرق الأوسط زاد من الشكوك حول جاهزية واشنطن لخوض مواجهة متزامنة في أكثر من مسرح عمليات.
اليابان تتجه لتسريع تطوير صواريخها المحلية
في ظل احتمالات التأخير الطويل، بدأت الأصوات داخل اليابان ترتفع للمطالبة بتقليل الاعتماد على السلاح الأمريكي وتسريع برامج التصنيع المحلي. ويبرز هنا مشروع الصاروخ الياباني المطور “Type 12” بالإضافة إلى برنامج “Hyper Velocity Gliding Projectile”، اللذين تسعى طوكيو لتحويلهما إلى بدائل استراتيجية تقلل الفجوة الصاروخية مع الصين.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية قد تدفع اليابان نحو مرحلة جديدة من الاستقلالية العسكرية، وهو تحول تاريخي بالنسبة لدولة ظلت لعقود تعتمد بشكل شبه كامل على المظلة الأمريكية. كما قد يدفع ذلك دولًا آسيوية أخرى إلى إعادة تقييم الاعتماد على الصناعات الدفاعية الأمريكية وسط تنامي الضغوط على المجمع العسكري الأمريكي.
ماذا يعني هذا التطور عالميًا؟
تكشف أزمة “توماهوك” عن معضلة استراتيجية تواجه الولايات المتحدة: القدرة على إدارة حروب متعددة في وقت واحد دون إنهاك مخزونها العسكري. فالحرب ضد إيران أظهرت أن حتى أكبر قوة عسكرية في العالم يمكن أن تواجه أزمة استنزاف حقيقية في الذخائر الدقيقة عالية التقنية.
كما تعكس الأزمة تحوّلًا أوسع في ميزان القوى العالمي، حيث أصبحت الحروب الحديثة تستهلك كميات ضخمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة بوتيرة تتجاوز قدرات الإنتاج التقليدية. وإذا استمرت واشنطن في إعطاء الأولوية لجبهة على حساب أخرى، فقد تجد نفسها أمام تراجع تدريجي في ثقة الحلفاء، خصوصًا في آسيا، المنطقة التي تعتبرها الولايات المتحدة محور الصراع الاستراتيجي الأهم خلال العقود المقبلة.

