زيارة نادرة تهز الحسابات الدولية.. شي جين بينغ يتجه إلى كوريا الشمالية لاحتواء نفوذ روسيا وتعزيز محور بكين
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، يتوجه الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية في زيارة تستمر يومين، هي الأولى له منذ نحو سبع سنوات، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين. وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ تحديات متزايدة نتيجة تراجع التبادل التجاري خلال سنوات الجائحة، إلى جانب التقارب غير المسبوق بين كوريا الشمالية وروسيا في ظل الحرب الأوكرانية.
ويرى مراقبون أن الزيارة تمثل محاولة صينية لإعادة تنشيط التحالف التاريخي مع كوريا الشمالية ومنعها من الانجراف أكثر نحو الفلك الروسي. كما تأتي في لحظة تشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى العالمية، مع تصاعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، وعودة الملف النووي الكوري الشمالي إلى الواجهة بعد إعلان بيونغ يانغ توسيع برنامجها النووي بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة.
بكين تتحرك لاستعادة نفوذها في بيونغ يانغ
على مدى عقود ظلت كوريا الشمالية الحليف الأقرب للصين، لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا ملحوظًا في طبيعة العلاقة. فمع اندلاع الحرب في أوكرانيا، تطورت العلاقات بين بيونغ يانغ وموسكو بوتيرة متسارعة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي.
هذا التقارب أثار قلقًا داخل بكين التي لا ترغب في رؤية حليفها التقليدي يبتعد تدريجيًا عن دائرة نفوذها. لذلك ينظر إلى زيارة شي جين بينغ باعتبارها رسالة واضحة تؤكد أن الصين ما زالت اللاعب الأكثر تأثيرًا في مستقبل كوريا الشمالية، وأنها لن تسمح لروسيا بالانفراد بعلاقتها مع النظام الكوري الشمالي.
التحالف التاريخي يعود إلى الواجهة
تحمل الزيارة رمزية خاصة لأنها تأتي قبيل الذكرى الخامسة والستين لمعاهدة الصداقة والتعاون والدفاع المشترك بين الصين وكوريا الشمالية، وهي الاتفاقية التي لا تزال تمثل المعاهدة الدفاعية الوحيدة التي تربط الصين رسميًا بدولة أخرى.
ويستند هذا التحالف إلى تاريخ طويل من التعاون العسكري والسياسي يعود إلى الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، عندما قاتلت القوات الصينية إلى جانب كوريا الشمالية. وتسعى بكين اليوم إلى استثمار هذا الإرث التاريخي لتعزيز مكانتها داخل شبه الجزيرة الكورية في مواجهة التحولات الإقليمية المتسارعة.
الملف النووي يضيف تعقيدات جديدة
تأتي الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان كوريا الشمالية افتتاح منشأة جديدة لإنتاج المواد النووية، بالتزامن مع دعوات من الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون لتوسيع الترسانة النووية للبلاد بوتيرة متسارعة.
ورغم أن الملف النووي يبقى مصدر قلق دولي كبير، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن بكين تركز بشكل أكبر على إدارة التوازنات الإقليمية والحفاظ على الاستقرار الأمني قرب حدودها، بدلًا من ممارسة ضغوط مباشرة على بيونغ يانغ للتراجع عن برنامجها النووي. ويعكس ذلك تغيرًا في أولويات السياسة الصينية مقارنة بالسنوات السابقة.


ماذا عن الولايات المتحدة؟
تكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي بعد فترة قصيرة من لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الصيني في بكين. وأثارت تقارير إعلامية تكهنات حول احتمال نقل شي رسائل أمريكية إلى كيم جونغ أون بشأن استئناف الحوار بين واشنطن وبيونغ يانغ.
لكن المؤشرات الصادرة من كوريا الشمالية لا توحي بوجود استعداد حقيقي لتقديم تنازلات في الملف النووي. بل على العكس، أظهرت التصريحات الأخيرة تمسك القيادة الكورية الشمالية بخيار تعزيز قدراتها العسكرية، ما يجعل أي مفاوضات مستقبلية أكثر تعقيدًا.
اليابان في قلب الحسابات الصينية
إلى جانب الملف الكوري الشمالي، تبدو اليابان عنصرًا أساسيًا في أجندة الزيارة. فالصين تنظر بقلق إلى التوسع المستمر في القدرات الدفاعية اليابانية، وتعتبره تهديدًا مباشرًا للتوازنات الأمنية في شرق آسيا.
ومن المتوقع أن يبحث الجانبان الصيني والكوري الشمالي سبل التنسيق السياسي تجاه التطورات الإقليمية، خصوصًا في ظل تنامي التعاون الأمني بين اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. ومع ذلك، يرجح محللون أن يظل هذا التنسيق في إطار الرسائل السياسية أكثر من كونه تعاونًا عسكريًا عمليًا واسع النطاق.
ماذا تعني الزيارة للعالم؟
تعكس زيارة شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية إدراك الصين أن التغيرات الجيوسياسية الأخيرة قد تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ في شرق آسيا. كما تكشف عن قلق صيني متزايد من تنامي النفوذ الروسي داخل بيونغ يانغ ومن احتمالات تصاعد التوترات العسكرية في شبه الجزيرة الكورية.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الزيارة أن بكين ما زالت تعتبر الاستقرار في كوريا الشمالية جزءًا أساسيًا من أمنها القومي، وأنها مستعدة للتحرك سياسيًا للحفاظ على نفوذها التاريخي هناك.
السيناريو المتوقع خلال المرحلة المقبلة
من المرجح أن تسفر الزيارة عن اتفاقات لتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين البلدين، إضافة إلى تأكيد متبادل على أهمية الشراكة الاستراتيجية بينهما. كما يتوقع أن تعمل الصين على زيادة انخراطها في الملف الكوري الشمالي لمنع أي تصعيد قد يؤدي إلى أزمة إقليمية جديدة.
أما على المدى الأبعد، فقد تشهد المنطقة منافسة أكثر وضوحًا بين الصين وروسيا على النفوذ داخل كوريا الشمالية، بالتوازي مع استمرار الضغوط الأمريكية وحالة التوتر المزمنة في شرق آسيا. لذلك ينظر إلى هذه الزيارة باعتبارها خطوة مهمة في معركة النفوذ الجيوسياسي التي تتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية وتمتد إلى النظام الدولي بأكمله.



