وفقًا لتقرير نشرته منصة ذا كرادل، لم تكشف الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل عن تحديات عسكرية وأمنية فقط، بل سلطت الضوء أيضًا على إشكالية دستورية داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، بعدما استمر تعليق الجلسات
العلنية للبرلمان نحو خمسة أشهر قبل استئنافها هذا الشهر. ورغم استمرار البرلمان في أداء جزء من مهامه عبر الاجتماعات الإلكترونية ولجان العمل، فإن عودة الجلسات الحضورية حملت أولى نتائجها السياسية بإقصاء عدد من أبرز النواب المعارضين
لسياسة الحكومة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار، الأمر الذي أعاد فتح النقاش حول مدى توافق الإجراءات الاستثنائية التي اتُّخذت خلال الحرب مع نصوص الدستور الإيراني، وحدود صلاحيات المجلس الأعلى للأمن القومي في إدارة الأزمات، وتأثير ذلك على دور السلطة التشريعية في اتخاذ القرارات المصيرية.
عودة البرلمان أنهت نفوذ أبرز معارضي الهدنة
مع استئناف الجلسات العلنية للبرلمان الإيراني، جرت الانتخابات السنوية لقيادات اللجان البرلمانية المتخصصة، وأسفرت عن إبعاد عدد من الشخصيات التي عُرفت بانتقادها الحاد لمسار التفاوض الذي قاد إلى وقف إطلاق النار.
وشملت التغييرات فقدان عدد من النواب البارزين مناصبهم داخل لجنة الأمن القومي ولجنة التنمية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على رغبة المؤسسة التشريعية في الحد من تأثير التيار المتشدد داخل اللجان المؤثرة، وإعادة تشكيل موازين القوى بما يتوافق مع المرحلة السياسية الجديدة التي أعقبت الهدنة.

اتهامات بتجاوز البرلمان في إقرار اتفاق وقف إطلاق النار
التقرير يشير إلى أن الجدل لم يقتصر على التغييرات داخل اللجان البرلمانية، بل امتد إلى طريقة إقرار مذكرة وقف إطلاق النار، إذ رأى عدد من النواب أن الاتفاق مر عبر المجلس الأعلى للأمن القومي بدلًا من عرضه على البرلمان للتصديق، كما تنص عليه الإجراءات الدستورية الخاصة بالاتفاقيات الدولية.
وفي المقابل، دافعت الحكومة عن موقفها بالتأكيد أن المفاوضات جرت بتفويض من المرشد الأعلى، وأن إدارة الأزمة استندت إلى الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، إلا أن تصريحات لاحقة للمرشد، التي أوضح فيها أنه كانت لديه تحفظات على الاتفاق رغم موافقته عليه، أعادت الجدل الدستوري إلى الواجهة.
الحرب عطلت الجلسات لكنها لم توقف عمل البرلمان
يوضح التقرير أن البرلمان الإيراني لم يتوقف بالكامل خلال أشهر الحرب، إذ استمرت الاجتماعات الإلكترونية، وعقدت اللجان البرلمانية مئات الاجتماعات، كما تواصلت أعمال الرقابة والتواصل مع الوزارات والدوائر الحكومية.
لكن في المقابل، توقفت الجلسات العلنية التي تمثل الأداة الأساسية لإقرار القوانين، ومنح الثقة للحكومة، واستجواب الوزراء، والتصويت على القرارات الكبرى، وهو ما خلق حالة استثنائية أبقت المؤسسة التشريعية قائمة شكليًا، لكنها حدّت من ممارسة أهم صلاحياتها الدستورية.
الأمن القومي في مواجهة النص الدستوري
استند قرار تعليق الجلسات إلى تقديرات أمنية صادرة عن المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي رأى أن اجتماع مئات النواب في مكان واحد خلال الحرب قد يشكل هدفًا مباشرًا في ظل التهديدات الأمنية التي واجهتها القيادة الإيرانية.
غير أن التقرير يلفت إلى أن الدستور الإيراني يمنح المجلس الأعلى للأمن القومي صلاحيات تنسيقية وأمنية، لكنه لا ينص صراحة على حقه في تعليق عمل السلطة التشريعية، كما أن مواد أخرى في الدستور تحدد آليات واضحة للتعامل مع الظروف الاستثنائية، من بينها عقد جلسات مغلقة أو تمديد القيود لفترات محددة بعد موافقة البرلمان، وهي إجراءات لم تُطبق بالشكل المنصوص عليه.
أزمة قانونية تتجاوز الخلافات السياسية
يرى التقرير أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بالصراع بين التيارات السياسية داخل البرلمان، بل يكمن في وجود فراغ دستوري ظهر مع اندلاع الحرب، إذ لم تتضمن النصوص الدستورية آلية واضحة لتنظيم عمل البرلمان في حال تعذر عقد جلساته العلنية لفترات طويلة بسبب الظروف الأمنية.
وبحسب التقرير، فإن هذا الفراغ أدى إلى اعتماد ترتيبات استثنائية استندت إلى اعتبارات أمنية أكثر من استنادها إلى نصوص قانونية واضحة، وهو ما أبقى الجدل قائمًا حتى بعد انتهاء الأزمة العسكرية واستئناف البرلمان جلساته.
ماذا يعني ذلك؟ وما السيناريوهات المقبلة؟
تكشف هذه التطورات أن الحرب لم تغيّر فقط المشهد العسكري والسياسي في إيران، بل دفعت مؤسسات الدولة إلى اختبار حدود الدستور وآليات إدارة السلطة في أوقات الطوارئ. كما أظهرت أن المؤسسات الأمنية أصبحت تلعب دورًا أكثر تأثيرًا في إدارة الملفات الحساسة عندما تتعرض البلاد لتهديدات مباشرة.
وخلال المرحلة المقبلة، قد تتجه طهران إلى مراجعة بعض الإجراءات القانونية المنظمة لعمل البرلمان في حالات الحرب والأزمات الكبرى، بهدف سد الثغرات الدستورية التي كشفتها الأحداث الأخيرة، وتحديد العلاقة بصورة أكثر وضوحًا بين السلطة التشريعية والمجلس الأعلى للأمن القومي، بما يمنع تكرار الجدل الذي رافق إقرار وقف إطلاق النار.



