فرنسا تراهن على سلاح جديد ضد المسيّرات.. صفقة أوروبية تعزز الدفاع الجوي وتفتح باب التصنيع المحلي

وفقًا لتقرير نشره موقع Defense Blog خلال فعاليات معرض Eurosatory 2026 في باريس، اختارت القوات المسلحة الفرنسية منظومة الاعتراض الجوي BLAZE التي طورتها شركة Origin Robotics اللاتفية، بالتعاون مع شركة DSV الفرنسية، لتلبية احتياجاتها المتزايدة في مواجهة تهديد الطائرات المسيّرة. ولا تقتصر أهمية الصفقة على شراء منظومة جديدة فحسب، بل تشمل أيضًا نقل التكنولوجيا وإنشاء خطوط تجميع وتصنيع داخل فرنسا خلال الأشهر المقبلة، في خطوة تعكس توجهًا أوروبيًا متسارعًا نحو بناء قدرات سيادية في مجال مكافحة الطائرات بدون طيار، أحد أكثر ميادين الحرب الحديثة تطورًا وتأثيرًا.
لماذا اختارت فرنسا منظومة BLAZE؟
جاء اختيار المنظومة بعد سلسلة من الاختبارات والتقييمات التي أجرتها وكالة المشتريات الدفاعية الفرنسية (DGA)، والتي قارنت بين عدة أنظمة منافسة قبل اتخاذ قرارها النهائي.
وتشير المعلومات المعلنة إلى أن BLAZE تمكنت من تلبية مختلف المتطلبات العملياتية التي وضعتها القوات الفرنسية، خاصة فيما يتعلق بقدرتها على اعتراض الطائرات المسيّرة المعادية وحماية القوات والمنشآت الحيوية. كما استفادت المنظومة من سجل تشغيل فعلي داخل عدة دول أوروبية، ما منحها أفضلية واضحة مقارنة بالأنظمة التي ما تزال في مراحل التطوير أو الاختبارات.
ما هي منظومة BLAZE؟
تختلف BLAZE عن أنظمة التشويش التقليدية أو الصواريخ الاعتراضية المعروفة، إذ تعتمد على طائرة مسيّرة اعتراضية مستقلة قادرة على البحث عن الهدف وتتبع مساره ثم تدميره أو تعطيله مباشرة في الجو.
وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه يتجاوز بعض القيود التي تواجه أنظمة الحرب الإلكترونية، حيث أصبحت العديد من الطائرات المسيّرة الحديثة قادرة على العمل في بيئات يصعب فيها التشويش على الإشارات أو قطع الاتصالات. كما توفر هذه المنظومة قدرة على مطاردة الأهداف بين المباني أو في التضاريس المعقدة التي قد تعيق الأنظمة الأرضية التقليدية.
نقل التكنولوجيا.. أكثر من مجرد صفقة شراء
أحد أهم أبعاد الاتفاق يتمثل في الجانب الصناعي. فبدلًا من استيراد الأنظمة جاهزة من لاتفيا، ستعمل شركة DSV الفرنسية على إنشاء قدرات تجميع وتصنيع محلية داخل فرنسا بموجب اتفاق لنقل التكنولوجيا مع Origin Robotics.
هذا التوجه يتماشى مع السياسة الفرنسية طويلة الأمد الهادفة إلى الحفاظ على الاستقلال الصناعي والعسكري في المجالات الاستراتيجية. كما يعكس إدراك باريس بأن أمن المستقبل لن يعتمد فقط على امتلاك السلاح، بل أيضًا على القدرة على إنتاجه وتطويره محليًا دون الاعتماد الكامل على الموردين الخارجيين.
دروس الحرب الأوكرانية تغيّر العقيدة العسكرية
لا يمكن فصل هذه الصفقة عن الدروس التي أفرزتها الحرب في أوكرانيا. فقد أثبتت المعارك خلال السنوات الأخيرة أن الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة أصبحت قادرة على تهديد الدبابات وأنظمة الدفاع الجوي وحتى المنشآت الاستراتيجية.
وأدى ذلك إلى سباق عالمي لتطوير حلول فعالة ومنخفضة التكلفة لمواجهة هذا النوع من التهديدات. وفي هذا السياق، تمثل الطائرات الاعتراضية الذاتية مثل BLAZE أحد أكثر الحلول الواعدة، لأنها تجمع بين المرونة التشغيلية والكلفة الأقل مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التقليدية.
أوروبا تبني شبكة دفاع جديدة ضد المسيّرات
قبل فرنسا، دخلت المنظومة الخدمة أو تم تسليمها إلى عدة دول أوروبية، من بينها Latvia وBelgium وEstonia.
ومع انضمام فرنسا، إحدى أكبر القوى العسكرية الأوروبية، تكتسب المنظومة زخمًا إضافيًا قد يدفع دولًا أخرى داخل حلف NATO إلى دراسة اقتنائها. كما أن دخول فرنسا على خط الإنتاج يمنح المشروع بعدًا صناعيًا أوسع وقدرة أكبر على التوسع في الأسواق الدولية.
ماذا يعني هذا التطور؟
تعكس الصفقة تحولًا مهمًا في أولويات الدفاع الأوروبي، حيث باتت مكافحة الطائرات المسيّرة تحتل موقعًا متقدمًا ضمن خطط التسلح المستقبلية. كما تؤكد أن الابتكار العسكري لم يعد حكرًا على الشركات العملاقة أو الدول الكبرى، إذ نجحت شركة ناشئة من لاتفيا في الفوز بعقد مع واحدة من أقوى الجيوش الأوروبية.
أما على المستوى الاستراتيجي، فمن المتوقع أن تساهم هذه الأنظمة في تعزيز قدرة فرنسا وحلفائها على مواجهة التهديدات الجوية منخفضة التكلفة التي أصبحت سمة رئيسية للحروب الحديثة. وإذا أثبتت BLAZE فعاليتها في الخدمة العملياتية الفرنسية، فقد تتحول إلى أحد أبرز أنظمة الاعتراض المضاد للمسيّرات في أوروبا خلال السنوات المقبلة.



