لأول مرة منذ سنوات.. واشنطن وطوكيو تتحدان للدفاع عن الين في مواجهة المضاربين والأسواق تترقب قرارًا حاسمًا

وفقًا لتقرير نشرته وكالة رويترز، كشفت مصادر مطلعة عن أن التدخل المشترك الذي نفذته الولايات المتحدة واليابان لدعم الين الياباني لم يكن خطوة مفاجئة، بل جاء بعد أشهر من التنسيق المكثف بين البلدين، في تطور يعكس تقاربًا غير مسبوق في مواقف أكبر اقتصادين حليفين بشأن استقرار أسواق الصرف. ويأتي هذا التحرك بعدما تعرض الين لضغوط قوية أوصلته إلى أدنى مستوياته منذ عقود، ما دفع طوكيو إلى البحث عن دعم أمريكي مباشر لمواجهة المضاربات الحادة التي هددت استقرار العملة والاقتصاد الياباني.
ويشير التقرير إلى أن ضعف الين لم يعد يمثل أزمة يابانية فحسب، بل أصبح مصدر قلق لواشنطن أيضًا، إذ يؤثر على التوازنات التجارية، ويحد من تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية، كما يثير مخاوف من انتقال اضطرابات سوق السندات اليابانية إلى الأسواق المالية الأمريكية. ويعزز هذا التعاون توقعات المستثمرين بأن بنك اليابان قد يتجه قريبًا إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا، في محاولة لإعادة الاستقرار إلى العملة المحلية والحد من التقلبات المستمرة في سوق الصرف.
تنسيق أمريكي ياباني بدأ منذ مطلع العام
كشف التقرير أن المناقشات بين واشنطن وطوكيو بشأن دعم الين بدأت منذ يناير الماضي، عندما جرى بحث إمكانية مشاركة الولايات المتحدة في عمليات التدخل داخل سوق العملات، في خطوة نادرة تعكس حجم القلق المشترك من استمرار تراجع العملة اليابانية.
وتطورت هذه المشاورات خلال الأشهر التالية عبر اجتماعات مباشرة وافتراضية بين مسؤولي البلدين، قبل أن تبلغ ذروتها خلال زيارة وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى اليابان في مايو الماضي، حيث ناقش الطرفان على مدى ساعات طويلة أوضاع الأسواق المالية وآليات التنسيق بشأن أسعار الصرف.
لماذا أصبح ضعف الين مصدر قلق لواشنطن؟
يرى التقرير أن تراجع الين لم يعد يؤثر فقط على الاقتصاد الياباني من خلال رفع تكلفة الواردات وزيادة الضغوط المعيشية، بل أصبح يشكل تحديًا للمصالح الاقتصادية الأمريكية أيضًا.
فمن وجهة نظر الإدارة الأمريكية، يؤدي ضعف العملة اليابانية إلى تقليص الأثر المتوقع للرسوم الجمركية الأمريكية عبر تعزيز القدرة التنافسية للصادرات اليابانية، كما أن التقلبات في سوق السندات اليابانية قد تمتد إلى سوق سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يفسر اهتمام واشنطن بالمشاركة في دعم استقرار الين.
تدخل منسق قلب موازين السوق
بحسب رويترز، جاءت عملية التدخل الأخيرة في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع اجتماعات السياسة النقدية لكل من بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث كانت الأسواق تترقب إشارات بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
وأدى التدخل المشترك إلى ارتفاع سريع في قيمة الين أمام الدولار، قبل أن تعود الأسواق لاختبار مستويات جديدة، ما دفع السلطات اليابانية إلى مواصلة مراقبة التداولات عن كثب، وسط توقعات بأن تكون هناك عمليات إضافية إذا استمرت الضغوط على العملة.
بنك اليابان تحت ضغط لرفع الفائدة
يشير التقرير إلى أن الدعم الأمريكي لم يقتصر على التدخل في سوق العملات، بل امتد أيضًا إلى تشجيع بنك اليابان على تسريع وتيرة تشديد السياسة النقدية.
وأكد وزير الخزانة الأمريكي أن الاقتصاد الياباني يمتلك مقومات قوية، وأن رفع أسعار الفائدة بشكل أسرع قد يساهم في تقليل التقلبات المفرطة في سعر الصرف، بينما ألمح محافظ بنك اليابان إلى ضرورة التعامل بحذر مع مخاطر التضخم، وهي تصريحات فسرتها الأسواق باعتبارها تمهيدًا لزيادة جديدة في أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
الأسواق تترقب اجتماع سبتمبر
ترى المؤسسات المالية أن اجتماع بنك اليابان المقرر في سبتمبر المقبل أصبح محطة حاسمة لمستقبل الين، خاصة بعد التنسيق الوثيق بين الحكومة اليابانية والبنك المركزي خلال عمليات التدخل الأخيرة.
ويعتقد عدد من المحللين أن استمرار الاعتماد على التدخل المباشر في سوق العملات لن يكون كافيًا لتحقيق استقرار دائم، وأن رفع أسعار الفائدة يمثل الخيار الأكثر فاعلية لدعم العملة اليابانية على المدى المتوسط والطويل.
ماذا يعني هذا التطور؟
يعكس التعاون الأمريكي الياباني تحولًا مهمًا في إدارة أسواق الصرف العالمية، إذ نادرًا ما تشارك واشنطن بصورة مباشرة في دعم عملة دولة حليفة بهذا الشكل. كما يشير إلى أن استقرار الين أصبح جزءًا من التوازنات الاقتصادية الدولية، وليس قضية محلية تخص اليابان فقط.
ومن المرجح أن يؤدي استمرار هذا التنسيق إلى زيادة الضغوط على بنك اليابان للمضي قدمًا في تشديد السياسة النقدية، فيما ستراقب الأسواق أي خطوات جديدة قد تتخذها الحكومتان إذا عادت المضاربات بقوة على الين. وفي حال أقدم البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة خلال سبتمبر، فقد يشهد سوق العملات مرحلة جديدة من إعادة التوازن بعد سنوات من ضعف العملة اليابانية.
إقرأ أيضا:
قطاع الصناعات التحويلية الأميركي يسجل أعلى نمو في أكثر من 4 سنوات رغم ضغوط التكاليف



