بوكيمون جو: كيف تحوّلت لعبة أطفال إلى أداة لرسم خرائط تخدم الجيش الأمريكي
وفقًا لتقرير نشرته “ذا كريدل”، كشفت تحقيقات صحفية أن لعبة “بوكيمون جو” التي استقطبت ملايين الأطفال والعائلات حول العالم على مدى تسع سنوات متواصلة،بوكيمون جو: كيف تحوّلت لعبة أطفال إلى أداة لرسم خرائط تخدم الجيش الأمريكي
لم تكن مجرد تسلية رقمية بريئة، بل كانت في جوهرها أداة ضخمة لجمع بيانات جغرافية مكانية استُخدمت لاحقًا في تطوير تقنيات عسكرية متقدمة.
فقد دفعت اللعبة اللاعبين إلى التجول في شوارع مدنهم حاملين هواتفهم لتصوير التماثيل والحدائق وزوايا الشوارع،
بل وحتى داخل منازلهم في بعض الحالات،
بينما كانت جهة أخرى تجمع ثمار هذا النشاط الجماعي دون أن يدرك غالبية المستخدمين الأبعاد الحقيقية لما يقدمونه من معلومات.
ويكشف هذا الملف عن تقاطع مثير للقلق بين صناعة الترفيه الرقمي ومنظومة الاستخبارات الجغرافية الأمريكية.
ثلاثون مليار مسح ميداني بلا علم اللاعبين
أظهر تقرير أعدته الصحيفة الهولندية “تراو” في يونيو الماضي أن ما يقارب ثلاثين مليار عملية مسح قام بها اللاعبون عبر كاميرات هواتفهم قد ساهمت في تدريب أنظمة رسم الخرائط التابعة لشركة “نيانتيك”.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ عقدت الشركة المنبثقة عنها، والمعروفة باسم “نيانتيك سبيشال”،
شراكة مع شركة “فانتور”، وهي الاسم الجديد لشركة “ماكسار إنتليجنس” وأحد كبرى شركات المقاولات الدفاعية الأمريكية،
بهدف تطوير أنظمة تموضع بصري تخدم الطائرات المسيّرة والمنصات الأخرى العاملة في مناطق يصعب فيها الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الشركة الدفاعية ذاتها تقدم خدماتها لجهات استخباراتية وعسكرية،
وتزود وسائل الإعلام الغربية بصور الأقمار الصناعية المستخدمة في تغطية الأحداث في أوكرانيا وغزة.
من”استغلال الألعاب” إلى تحذير أطلقه فيلسوف الإعلام قبل سنوات
يعود الفضل في التنبؤ بهذا النمط الاستغلالي إلى مصمم الألعاب والفيلسوف الإعلامي إيان بوغوست،
الذي صاغ منذ عام 2011 مصطلحًا دقيقًا لوصف صناعة النقاط والشارات والمكافآت المصممة بعناية،
حين أطلق عليها اسم “برمجيات الاستغلال”.
وبعد نحو خمسة عشر عامًا من تلك التسمية، جاءت لعبة “بوكيمون جو” لتقدّم مثالًا صارخًا على ما كان يقصده الرجل،
إذ وصف حينها الشركات التقنية بأنها “تستخرج معلومات شخصية من عملائها عبر التظاهر بأن منتجها هو في الحقيقة عميلها”،
وهو بالضبط النموذج الذي اعتمدته اللعبة حين كافأت اللاعبين مقابل استغلال ما جمعته من مسوحاتهم في بناء خرائطها الخاصة.
جذور استخباراتية تمتد إلى تأسيس “غوغل إيرث”

لا يمكن فصل هذه القصة عن السيرة المهنية لمؤسس “نيانتيك سبيشال” ورئيسها التنفيذي جون هانكي،
الذي أمضى أربع سنوات في السلك الدبلوماسي الأمريكي قبل دخوله عالم التكنولوجيا. ففي عام 2001،
شارك هانكي في تأسيس شركة “كي هول” لرسم الخرائط، والتي حملت اسمها تيمنًا بأقمار التجسس الأمريكية من طراز “كيه إتش”.
وحين اقتربت الشركة من الإفلاس، جاء تمويل من “إن كيو تيل”، الذراع الاستثمارية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية،
لإنقاذها من الانهيار، على أن تُستخدم تقنياتها لاحقًا في دعم القوات الأمريكية في العراق،
فيما جاء جزء كبير من التمويل بحسب التقارير من وكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية الوطنية التي تزود البنتاغون بمعلوماته الجغرافية.
وفي عام 2004، استحوذت “غوغل” على “كي هول” وحوّلت تقنيتها إلى “غوغل إيرث”،
ليتولى هانكي بعدها إدارة قسم الخرائط في “غوغل”،
قبل أن يؤسس “نيانتيك” كمشروع داخلي ثم يفصلها عن الشركة الأم عام 2015 بدعم من “غوغل” و”نينتندو” وشركة بوكيمون، لتصدر لعبة “بوكيمون جو” بعدها بعام واحد.
لاعبون يتحولون إلى رسامي خرائط دون مقابل حقيقي
بدءًا من عام 2021، استحدثت اللعبة نظامًا يكافئ اللاعبين على تصوير مواقع حقيقية على أرض الواقع،
إذ كان يكفي أن يوجه اللاعب كاميرته نحو إحدى نقاط “بوكيستوب” ويرفع لقطة الفيديو ليحصل على جائزته داخل اللعبة.
ورغم أن المشاركة كانت اختيارية ومقتصرة على شريحة محدودة من مستخدمي اللعبة، فإن هذه الشريحة وحدها أنتجت مليارات المسوحات الميدانية.
والأخطر من ذلك أن شروط استخدام اللعبة منحت شركة “نيانتيك” ترخيصًا قابلاً للتحويل ومنح تراخيص فرعية على المحتوى المرفوع،
بما يعني أن الشركة كانت قادرة على إعادة بيع هذه البيانات لأطراف ثالثة دون قيود تُذكر.
من حديقة عامة إلى غرفة المعيشة: حين تتحول الخصوصية إلى بيانات استخباراتية
روى فلوريس دي هينخ، وهو لاعب هولندي حمّل اللعبة منذ اليوم الأول لإطلاقها،
لصحيفة “تراو” أنه قام بمسح كل شيء تقريبًا، من الحدائق العامة وصولًا إلى غرفة المعيشة في منزله،
مؤكدًا أنه كان يظن نفسه يمارس لعبة عادية دون أن يدرك المسار الذي قد تسلكه تلك الصور مستقبلًا.
وهنا يكمن جوهر الإشكالية القانونية والأخلاقية، إذ أكدت “نيانتيك” أن بياناتها الشخصية لم تُباع لأي جهة، بينما خضعت المسوحات المرفوعة لأحكام منفصلة بوصفها محتوى من إنتاج المستخدم.
غير أن أي غرفة يمكن أن تكشف عن ممتلكات أصحابها وعاداتهم وتفاصيل حياتهم الحميمة حتى لو لم يظهر اسم صاحبها في الصورة،
ما يعني أن نموذج الموافقة ركّز الانتباه على مسألة الهوية بينما ضمن في الوقت ذاته حقوقًا واسعة على محيط اللاعب ومحتوى منزله.
قراءة تحليلية: ماذا يعني هذا التقاطع بين الترفيه والاستخبارات
يكشف هذا الملف عن نمط متكرر في الصناعة التقنية الأمريكية، حيث تتحول منصات الترفيه الجماهيرية،
خصوصًا تلك الموجهة للأطفال والمراهقين، إلى مصادر ضخمة لبيانات جغرافية مكانية تخدم أغراضًا عسكرية واستخباراتية بعيدة كل البعد عن الغاية المعلنة للمستخدمين.
وتحمل هذه القصة دلالات تتجاوز حدود الترفيه الرقمي،
لتطرح تساؤلات جدية حول حدود الخصوصية في عصر التطبيقات القائمة على المكافآت
، وحول غياب الرقابة الفعلية على الشركات التي تجمع بيانات حساسة بذريعة الألعاب.
أما بالنسبة للمستقبل، فمن المرجح أن تتصاعد الدعوات لتشديد التشريعات المنظمة لجمع البيانات عبر تطبيقات الترفيه،
خصوصًا مع تزايد اعتماد الجيوش على تقنيات التموضع البصري كبديل عن نظام تحديد المواقع العالمي في مناطق النزاع،
وهو ما قد يفتح بابًا واسعًا أمام نقاشات حقوقية وقانونية دولية حول استغلال بيانات المدنيين، وفي مقدمتهم الأطفال، لأغراض عسكرية غير معلنة.



