هايتي أمام اختبار أمني خطير.. مقتل 47 شخصًا وخطف أكثر من 50 في هجوم للعصابات
هايتي أمام اختبار أمني خطير..وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تواجه هايتي واحدة من أخطر موجات التصعيد الأمني في الأشهر الأخيرة،
بعدما أسفر هجوم واسع نفذته عصابات مسلحة في منطقة كنسكوف الجبلية القريبة من العاصمة بورت أو برنس عن مقتل ما لا يقل عن 47 شخصًا وخطف أكثر من 50 آخرين، بينهم أطفال.
ولم تقتصر تداعيات الهجوم على الخسائر البشرية، إذ أُحرقت عشرات المنازل،
بينما وجه أحد قادة العصابات تهديدات مباشرة بقتل الرهائن في حال تعرض أفراد مجموعته للخسائر خلال محاولات السلطات استعادة السيطرة على المنطقة.
ويأتي التصعيد في وقت كانت فيه الآمال تتزايد بشأن تحسن الوضع الأمني في البلاد،
وقبل أشهر من الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر المقبل،
ما يضع الحكومة والشرطة والبعثة الدولية الداعمة لمكافحة العصابات أمام اختبار بالغ الصعوبة بشأن قدرتها على حماية السكان واحتواء نفوذ الجماعات المسلحة.
هجوم دموي يهز كنسكوف ويقلب المشهد الأمني
شهدت منطقة كنسكوف، الواقعة في المرتفعات المحيطة بالعاصمة الهايتية، أعنف هجوم تتعرض له منذ بدء الاعتداءات المتقطعة على المنطقة خلال عام 2025،
بعدما اقتحمت مجموعات مسلحة مناطق سكنية وقتلت عشرات الأشخاص واختطفت أكثر من 50 آخرين.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة المتكامل في هايتي، كان من بين القتلى خمسة أطفال على الأقل،
بينما أكد رئيس بلدية كنسكوف أن اثنين من موظفي الحكومة لقيا حتفهما خلال الهجوم،
أحدهما كان يعمل ضمن فريق الحماية التابع للبلدية.
وتشير هذه الخسائر إلى أن الهجوم لم يكن مجرد حادث أمني محدود،
بل عملية واسعة استهدفت منطقة كانت تُعد أكثر هدوءًا نسبيًا،
ما يثير تساؤلات بشأن قدرة السلطات على منع توسع نفوذ العصابات خارج المناطق التي اعتادت السيطرة عليها.
تهديدات بقتل الرهائن وتصعيد خطير
بعد الهجوم، ظهر أحد قادة العصابات في تسجيل مصور متداول،
مهددًا بقتل الأشخاص الذين جرى اختطافهم إذا أسفرت عمليات السلطات عن سقوط أفراد من مجموعته،
في رسالة تعكس حجم النفوذ الذي تتمتع به هذه الجماعات وقدرتها على استخدام المدنيين كورقة ضغط.
ويُعرف الرجل باسم إيزو الثاني، وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى ارتباطه بأحد أبرز قادة العصابات في هايتي،
جونسون أندريه المعروف باسم إيزو، مع توليه قيادة مجموعة مسلحة في كنسكوف بالتنسيق مع قيادات أخرى.
ويرى خبراء أن هذا الأسلوب قد يكون جزءًا من محاولة لإجبار قوات الشرطة والبعثة المدعومة من الأمم المتحدة على إعادة توزيع مواردها المحدودة، عبر فتح جبهة أمنية جديدة تستنزف قدراتها في مناطق أخرى من البلاد.
إحراق المنازل وتزايد معاناة السكان
لم تتوقف الهجمات عند سقوط الضحايا وعمليات الاختطاف، إذ أفاد رئيس بلدية كنسكوف بأن مسلحين أحرقوا نحو 25 منزلًا،
بينما استمرت مجموعات مسلحة في التحرك بمحيط المنطقة حتى بعد انتهاء الهجوم الرئيسي.
ويعني إحراق المنازل أن آثار التصعيد ستتجاوز الخسائر المباشرة،
لأن السكان الذين فقدوا منازلهم يواجهون ظروفًا أكثر صعوبة في ظل أزمة نزوح واسعة تعاني منها هايتي منذ سنوات،
مع اضطرار أعداد متزايدة من المدنيين إلى مغادرة مناطقهم بسبب انعدام الأمن.
كما اتهم بعض الناجين الحكومة بعدم توفير الحماية الكافية قبل الهجوم، وهي اتهامات رفضتها الشرطة،
ما يضيف بُعدًا سياسيًا إلى الأزمة ويزيد الضغوط على السلطات لإثبات قدرتها على حماية المناطق التي يفترض أنها تحت سيطرة الدولة.
العصابات توسع نفوذها في قلب هايتي
تكشف التطورات في كنسكوف عن اتساع نطاق نفوذ العصابات المسلحة في هايتي،
إذ تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن الجماعات المسلحة تسيطر على نحو 70% من العاصمة بورت أو برنس،
إضافة إلى مناطق واسعة في وسط البلاد ومناطق أخرى.
وأدت أعمال العنف إلى نزوح نحو 1.5 مليون شخص، بينما سجلت الأمم المتحدة أكثر من 3050 قتيلًا ونحو 1400 مصاب خلال الفترة من يناير إلى يونيو فقط، في مؤشر على الحجم المتزايد للأزمة الأمنية والإنسانية.
وتزداد خطورة الوضع مع استمرار قدرة العصابات على تنفيذ عمليات في مناطق جديدة،
لأن انتقال العنف إلى مجتمعات كانت أكثر استقرارًا نسبيًا يعني أن الأزمة لم تعد محصورة في مراكز نفوذ العصابات التقليدية،
بل أصبحت تهديدًا أوسع للاستقرار الداخلي.
الانتخابات المقبلة تزيد حساسية التصعيد
يأتي هجوم كنسكوف في توقيت سياسي شديد الحساسية،
مع استعداد هايتي لإجراء انتخابات عامة في 13 ديسمبر المقبل، في أول انتخابات من هذا النوع منذ أكثر من عقد،
ما يجعل الوضع الأمني عاملًا رئيسيًا في قدرة الدولة على تنظيم العملية الانتخابية.
ويرى محللون أن الهجوم يمكن أن يحمل رسالة إلى الحكومة والشرطة مفادها أن الجماعات المسلحة لا تزال قادرة على اختيار توقيت ومكان عملياتها، حتى في ظل الجهود المبذولة لتعزيز الأمن وملاحقة العصابات.
ومن هذا المنظور، قد يؤدي استمرار الهجمات إلى تعقيد الاستعدادات للانتخابات،
سواء من خلال تهديد مراكز الاقتراع أو التأثير في حركة السكان أو زيادة مخاوف الناخبين،
وهو ما يجعل استعادة السيطرة الأمنية شرطًا أساسيًا لنجاح العملية السياسية المقبلة.
اختبار صعب للشرطة والبعثة الدولية
يشكل هجوم كنسكوف اختبارًا حقيقيًا لقدرة الشرطة الهايتية والبعثة الدولية الداعمة لجهود مكافحة العصابات على التعامل مع تهديدات متزامنة في مناطق مختلفة، خصوصًا مع محدودية الموارد البشرية والميدانية المتاحة.
ويرى خبراء أن دفع القوات إلى التركيز على منطقة جديدة قد يؤدي إلى تخفيف الضغط عن مناطق أخرى،
وهو ما قد تستفيد منه العصابات للحفاظ على مواقع نفوذها أو توسيع نطاق تحركاتها.
كما أن العثور على مركبات مدرعة وعناصر أمنية في المنطقة قبل الهجوم، وفق ما أثير من تساؤلات في التقرير،
يفتح نقاشًا حول كفاءة الاستجابة الأمنية وقدرة القوات على اكتشاف التحركات المسلحة في وقت مبكر،
وهي قضية ستكون محل اهتمام كبير خلال المرحلة المقبلة.
ماذا يعني هجوم كنسكوف بالنسبة إلى هايتي؟
يعني التصعيد أن الأزمة الأمنية في هايتي دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا،
بعدما تمكنت العصابات من توسيع نطاق عملياتها إلى منطقة جبلية قريبة من العاصمة،
مع استخدام القتل والاختطاف وإحراق المنازل للضغط على الدولة وترهيب السكان.
وعلى المستوى السياسي، قد يضع الهجوم الحكومة أمام ضغوط متزايدة لإظهار نتائج ملموسة في مكافحة العصابات قبل الانتخابات، بينما ستواجه الشرطة والبعثة الدولية تحديًا يتمثل في تحقيق توازن بين حماية المناطق المختلفة ومنع العصابات من استنزاف مواردها عبر فتح بؤر جديدة للتوتر.
أما إقليميًا، فإن استمرار عدم الاستقرار في هايتي يهدد بتعميق الأزمة الإنسانية والنزوح،
ويجعل قدرة الدولة على استعادة السيطرة على أراضيها قضية تتجاوز حدود العاصمة إلى مستقبل الاستقرار في البلاد بأكملها.
السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة المقبلة
السيناريو الأول يتمثل في تكثيف العمليات الأمنية في كنسكوف بهدف استعادة السيطرة على المنطقة وتحرير الرهائن،
وهو مسار قد يؤدي إلى مواجهات جديدة مع العصابات، خصوصًا مع التهديدات التي أطلقها أحد قادتها.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في انتقال الجماعات المسلحة إلى مناطق أخرى لتخفيف الضغط عليها،
مستفيدة من محدودية موارد الشرطة والبعثة الدولية، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع رقعة العنف وزيادة أعداد النازحين.
ويبقى السيناريو الأكثر حساسية مرتبطًا بقدرة السلطات على تحقيق تحسن أمني ملموس قبل الانتخابات المقبلة،
فإذا استمرت الهجمات على هذا النحو فقد تتزايد المخاوف بشأن قدرة الدولة على تأمين العملية الانتخابية،
بينما قد يؤدي نجاح القوات في استعادة مناطق جديدة إلى تغيير نسبي في ميزان القوة مع العصابات.



