من التعاطف إلى التوتر.. لماذا انقلب موقف بولندا من استقبال الأوكرانيين؟

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تشهد العلاقات بين بولندا وأوكرانيا تحولًا كبيرًا بعد سنوات من التضامن الواسع الذي ظهر عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية،
حيث بدأت موجة التعاطف الشعبي البولندي مع اللاجئين الأوكرانيين تتراجع تدريجيًا،
لتظهر بدلًا منها حالة من التوتر والانتقادات المتبادلة.
وأشار التقرير إلى أن بولندا كانت من أكثر الدول الأوروبية دعمًا للأوكرانيين منذ بداية الحرب،
بعدما فتحت حدودها أمام ملايين الفارين من القتال وقدمت مساعدات إنسانية وعسكرية كبيرة لكييف.
إلا أن تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية،
إلى جانب الخلافات التاريخية والسياسية بين البلدين، أدى إلى تصاعد حالة من الاستياء لدى قطاعات من المجتمع البولندي.
ويرى التقرير أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالخلافات السياسية بين الحكومتين،
بل تكشف أيضًا صعوبة انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة “المساعدة الإنسانية” إلى مرحلة الشراكة الطبيعية التي تشمل المنافسة والمصالح المتبادلة.
نهاية مرحلة التضامن الكامل بين بولندا وأوكرانيا
مع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، تحولت بولندا إلى أحد أبرز الداعمين لكييف في أوروبا،
حيث استقبل المواطنون البولنديون ملايين اللاجئين وقدموا لهم الدعم والمأوى،
في مشهد اعتُبر تحولًا تاريخيًا في العلاقات بين البلدين.
وكان هذا التقارب لافتًا بالنظر إلى التاريخ المعقد بين الشعبين، والذي شهد خلافات مرتبطة بفترة الحرب العالمية الثانية وقضايا الحدود والتهجير بعد انتهاء الحرب.
لكن هذا التحالف الشعبي والسياسي بدأ يتراجع مع مرور الوقت،
بعدما طال أمد الحرب وتحولت إقامة اللاجئين الأوكرانيين في بولندا من وضع مؤقت إلى وجود طويل الأمد داخل المجتمع البولندي.
تراجع قبول اللاجئين وتصاعد الانتقادات الداخلية
أظهر استطلاع للرأي في بولندا أن نسبة متزايدة من المواطنين أصبحت تعارض استمرار استقبال اللاجئين الأوكرانيين،
حيث يرى بعض المنتقدين أن الدعم المقدم لكييف قد يؤثر على قدرات بلادهم الاقتصادية والعسكرية.
ويعتقد بعض التيارات السياسية اليمينية في بولندا أن إرسال المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا قد يقلل من جاهزية البلاد في مواجهة أي تهديدات محتملة، خاصة مع استمرار التوترات الأمنية في المنطقة.
كما ساهمت الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة في زيادة النقاش الداخلي حول تأثير وجود أعداد كبيرة من اللاجئين على سوق العمل والخدمات العامة.
الخلافات التاريخية تعود إلى الواجهة من جديد
لم تقتصر أسباب التوتر بين البلدين على الملفات الحالية،
إذ عادت الخلافات التاريخية القديمة لتؤثر على العلاقات السياسية بين وارسو وكييف.
وأثار قرار أوكراني مرتبط بتسمية وحدة عسكرية باسم يحمل ارتباطات تاريخية مثيرة للجدل اعتراضات واسعة في بولندا،
حيث ترى قطاعات بولندية أن بعض الجماعات المرتبطة بهذا الاسم كانت مسؤولة عن عمليات قتل جماعي بحق بولنديين خلال الحرب العالمية الثانية.
وردت القيادة البولندية بخطوات سياسية أثارت غضب الجانب الأوكراني،
ما أدى إلى تجميد نسبي للعلاقات الدبلوماسية وعودة الخطاب القومي إلى المشهد بين البلدين.
التضليل الروسي يزيد من حدة الانقسام
يرى التقرير أن الخلافات بين بولندا وأوكرانيا أصبحت بيئة مناسبة لانتشار حملات تضليل تهدف إلى إضعاف العلاقات بين البلدين وتقليل الدعم الأوروبي لكييف.
وتنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي روايات تتهم اللاجئين الأوكرانيين بالحصول على امتيازات اقتصادية على حساب المواطنين المحليين،
وهو ما ساهم في زيادة الاحتقان الاجتماعي وظهور حوادث اعتداء لفظية وجسدية ضد بعض الأوكرانيين في بولندا.
ويحذر محللون من أن استمرار هذا المسار قد يخدم أهداف موسكو،
التي تسعى إلى إضعاف الوحدة الأوروبية وتقليل الدعم السياسي والعسكري المقدم لأوكرانيا.
أوكرانيا تتحول من دولة محتاجة للمساعدة إلى شريك أوروبي
يشير التقرير إلى أن أحد الأخطاء التي ارتكبتها بولندا هو استمرار التعامل مع أوكرانيا باعتبارها دولة تعتمد فقط على المساعدات، رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها خلال السنوات الماضية.
فأوكرانيا لم تعد مجرد دولة متلقية للدعم، بل أصبحت تمتلك خبرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة،
كما تسعى إلى لعب دور سياسي أكبر داخل أوروبا، بما يتناسب مع تضحياتها خلال الحرب.
ومع اقتراب أوكرانيا أكثر من المؤسسات الأوروبية، قد تتحول علاقتها مع دول القارة من نموذج الدعم إلى نموذج الشراكة والمنافسة الاقتصادية، وهو ما يتطلب استعدادًا سياسيًا واجتماعيًا مختلفًا.
ماذا يعني تراجع العلاقات البولندية الأوكرانية؟
يعكس تراجع التعاطف في بولندا تحديًا أوسع أمام أوروبا،
يتمثل في كيفية الانتقال من مرحلة التضامن الطارئ أثناء الأزمات إلى بناء علاقات طويلة الأمد تقوم على المصالح المشتركة.
وقد تؤثر هذه الأزمة على صورة الدعم الأوروبي لأوكرانيا،
خاصة إذا استمرت الخلافات الداخلية في الدول الأكثر قربًا من الحرب، كما قد تمنح روسيا فرصة لاستغلال الانقسامات السياسية والاجتماعية.
أما السيناريوهات المقبلة فتتراوح بين احتواء الخلافات عبر حوار سياسي يعيد بناء الثقة،
أو استمرار التوتر بما يؤدي إلى تراجع التعاون بين البلدين في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى مزيد من التنسيق لمواجهة التحديات الأمنية.



