أوروبا تواجه عودة التيارات المتطرفة مع تراجع ذاكرة الماضي..هل تهدد التحولات السياسية مستقبل الاتحاد الأوروبي؟
أوروبا تواجه عودة التيارات المتطرفة مع تراجع ذاكرة الماضي..وفقًا لتقرير نشرته فايننشال تايمز، تشهد أوروبا مرحلة سياسية جديدة تتسم بعودة الخطابات القومية والتيارات اليمينية المتشددة إلى صدارة المشهد، وسط تراجع تأثير ذكريات القرن العشرين وما حمله من صراعات بين الفاشية والشيوعية.
ويرى التقرير أن الأجيال الأوروبية الجديدة لم تعد تنظر إلى تلك التجارب التاريخية باعتبارها عاملًا حاسمًا في تحديد اختياراتها السياسية، وهو ما سمح بظهور توجهات جديدة تعيد تشكيل الخريطة الانتخابية في عدد من الدول.
ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه القارة الأوروبية تحديات متزايدة،
من الحرب في أوكرانيا إلى قضايا الهجرة والهوية الوطنية ومستقبل الاتحاد الأوروبي،
ما يفتح الباب أمام صعود قوى سياسية تطالب بإعادة النظر في سياسات القارة وعلاقاتها الدولية.
تراجع تأثير دروس القرن العشرين على الناخبين الجدد
يشير التقرير إلى أن عبارة “لن يتكرر ذلك أبدًا”،
التي شكلت لعقود أحد المبادئ الأساسية في السياسة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية،
بدأت تفقد تأثيرها مع مرور الزمن.
وبالنسبة للأجيال الأصغر سنًا، أصبحت حقب الفاشية والشيوعية جزءًا بعيدًا من التاريخ،
ولم تعد تمثل العامل الرئيسي الذي يحدد توجهاتهم السياسية
كما كان الحال لدى الأجيال التي عاشت تلك الفترات أو عاصرتها.
ويعتبر محللون أن غياب التجربة المباشرة مع مآسي الماضي
قد أدى إلى تغير طريقة تعامل الناخبين مع الأحزاب التي كانت مرتبطة تاريخيًا بخطابات قومية أو راديكالية.
صعود اليمين المتشدد في ألمانيا يثير المخاوف
شهدت ولاية ساكسونيا أنهالت الألمانية نتائج انتخابية اعتبرها مراقبون ضربة قوية
لما يعرف بجدار العزل السياسي الذي يهدف إلى منع وصول اليمين المتطرف إلى السلطة.
ويرى التقرير أن ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية، التي اقتربت من 80 في المئة،
يعكس حجم التحول السياسي داخل بعض المناطق الألمانية، خاصة في شرق البلاد.
لكن اللافت أن الناخبين الأكبر سنًا، الذين عاش بعضهم في ظل النظام الألماني الشرقي السابق،
كانوا الأقل ميلًا للتصويت لصالح حزب البديل من أجل ألمانيا، مقارنة بشرائح عمرية أصغر.
القلق من فقدان الهوية يعزز الخطابات القومية
يربط التقرير بين صعود بعض الأحزاب اليمينية وبين مشاعر القلق المنتشرة في بعض المناطق الأوروبية
بشأن تراجع عدد السكان والهجرة والتغيرات الاجتماعية.
ويشير إلى أن جزءًا من الناخبين لا يسعى بالضرورة إلى العودة إلى الأنظمة القديمة،
لكنه يشعر بأن بلاده تفقد جزءًا من هويتها أو نفوذها السياسي والثقافي.
وفي المقابل، يرى التيار الليبرالي أن الخطر الأكبر يتمثل في تراجع الثقة بالمؤسسات الديمقراطية،
بينما تخشى القوى القومية من تغير طبيعة المجتمعات الأوروبية.
مستقبل الاتحاد الأوروبي أمام اختبار سياسي صعب
رغم استمرار ارتفاع نسبة التأييد الشعبي للاتحاد الأوروبي وفق استطلاعات الرأي،
فإن التقرير يحذر من خطر فقدان الثقة التدريجي بالمشروع الأوروبي.
ويشبه الكاتب هذا الوضع بما يشبه “هروب المستثمرين من البنوك”،
حيث قد يدفع الخوف من تراجع الاتحاد بعض الدول إلى اتخاذ مواقف أكثر تحفظًا لحماية مصالحها الخاصة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تستعد فيه أوروبا لسلسلة انتخابات مهمة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا،
وسط توقعات بزيادة نفوذ الأحزاب اليمينية والأحزاب المشككة في سياسات الاتحاد الأوروبي.
روسيا وأوروبا بين خرائط جديدة وصراعات سياسية
يربط التقرير بين تحركات روسيا المتعلقة بإعادة رسم الخرائط السياسية وبين حالة القلق داخل أوروبا بشأن مستقبل النظام القائم.
ويشير إلى أن موسكو تسعى لترسيخ رؤيتها للأراضي التي ضمتها من أوكرانيا،
بينما تواجه أوروبا اختبارًا سياسيًا داخليًا يتعلق بالحفاظ على وحدتها وقيمها الديمقراطية.
ويرى الكاتب أن التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الأوروبي لا يتمثل فقط في منع وصول اليمين المتطرف إلى السلطة،
بل في القدرة على بناء توافق سياسي جديد يسمح بوجود تيارات مختلفة داخل الإطار الأوروبي دون تهديد أسس الاتحاد.
تحليل: ماذا يعني صعود التيارات المتشددة في أوروبا؟
يعكس صعود التيارات اليمينية والقومية تحولًا عميقًا في السياسة الأوروبية،
حيث أصبحت قضايا مثل الهجرة والهوية والأمن الاقتصادي أكثر تأثيرًا على قرارات الناخبين مقارنة بالقضايا التقليدية.
ويشير هذا التحول إلى أن أوروبا تدخل مرحلة إعادة تعريف لهويتها السياسية،
خاصة مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد المنافسة الدولية بين القوى الكبرى.
أما السيناريوهات المقبلة فتتراوح بين نجاح الأحزاب التقليدية في استيعاب مخاوف الناخبين عبر سياسات جديدة،
أو استمرار توسع التيارات المتشددة بما قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في توجهات الاتحاد الأوروبي.
ويبقى مستقبل القارة مرتبطًا بقدرتها على تحقيق توازن بين حماية قيمها الديمقراطية والاستجابة للمطالب الشعبية المتزايدة بشأن الأمن والهوية والسيادة الوطنية.
اقرأ أيضاً
مسيرة تجسس أمريكية تظهر لأول مرة من قاعدة بالأردن..قادرة على التحليق 8 أيام متواصلة



