اليورانيوم يختبئ داخل الكوبالت الكونغولي.. تحقيق يكشف مخاطر نووية تهدد سلاسل التوريد العالمية

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز، كشفت تحقيقات موسعة عن وجود كميات من اليورانيوم الطبيعي مختلطة بخامات الكوبالت المستخرجة من جمهورية الكونغو الديمقراطية، في تطور يثير مخاوف تتجاوز الجوانب البيئية والصحية إلى قضايا الأمن النووي ومنع انتشار المواد المشعة. وتعد الكونغو أكبر منتج للكوبالت في العالم، وهو معدن أساسي في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، إلا أن التحقيق يشير إلى أن عمليات التعدين في حزام النحاس الغني بالمعادن تشهد وجودًا متكررًا لخامات تحتوي على اليورانيوم. ومع تصاعد الطلب العالمي على الكوبالت، يحذر خبراء ومسؤولون من أن ضعف الرقابة على بعض مناطق التعدين قد يفتح الباب أمام تهريب مواد مشعة أو انتقالها عبر سلاسل الإمداد الدولية، في وقت تتزايد فيه أهمية المعادن الاستراتيجية بالنسبة للاقتصاد العالمي والتحول نحو الطاقة النظيفة.
تحقيق يكشف حجمًا أكبر من المتوقع لليورانيوم
أظهر التحقيق، بالاستناد إلى دراسة علمية حديثة، أن صادرات الكونغو من هيدروكسيد الكوبالت بين عامي 2000 و2024 احتوت على ما يقدر بنحو ألفي طن أو أكثر من اليورانيوم الطبيعي، وهي كمية تفوق التقديرات السابقة بصورة كبيرة.
وأشار الباحثون إلى أن هذه الكميات، إذا جرى استخلاصها ومعالجتها، تمثل حجمًا كبيرًا من المواد الخام النووية، وهو ما دفع خبراء منع الانتشار النووي إلى التحذير من ضرورة تعزيز الرقابة على هذه الخامات، حتى وإن كانت نسب اليورانيوم داخلها منخفضة نسبيًا.
مخاطر صحية وأمنية تتجاوز قطاع التعدين
أكد مسؤولون في الهيئات النووية الكونغولية أن اختلاط اليورانيوم بخامات الكوبالت يمثل تحديًا مزدوجًا، يتمثل في حماية العاملين داخل المناجم من التعرض المستمر للإشعاع، ومنع انتقال المواد المشعة إلى جهات غير مصرح لها.
وأوضح التقرير أن التعرض طويل الأمد للإشعاعات الطبيعية أو لغاز الرادون الناتج عن الخامات المشعة قد يزيد احتمالات الإصابة ببعض الأمراض، بينما تزداد المخاوف الأمنية في ظل هشاشة الرقابة على بعض المناطق الحدودية التي تشهد اضطرابات مسلحة.
أكبر المناجم تواجه المشكلة منذ سنوات
يرصد التحقيق تاريخًا طويلًا لوجود نسب مرتفعة من اليورانيوم في عدد من أكبر مناجم الكوبالت والنحاس داخل الكونغو، ومن بينها مشروع “تينكي فونغورومي” المملوك لشركة صينية، حيث أظهرت وثائق داخلية أن مستويات اليورانيوم تجاوزت الحدود القانونية خلال فترات متعددة بين عامي 2015 و2021.
ونقلت الصحيفة عن الشركة المالكة نفيها وجود أي صادرات تخالف المعايير التنظيمية، مؤكدة أن منتجاتها تستوفي المتطلبات المحلية والدولية، وأنها لا ترى حاجة إلى إنشاء منظومة مستقلة لإزالة اليورانيوم من الخامات قبل التصدير.
هل يصل اليورانيوم إلى الخارج؟
يثير التحقيق تساؤلات حول مصير اليورانيوم المختلط بخامات الكوبالت بعد وصولها إلى الدول المستوردة، خاصة أن معظم الصادرات تتجه إلى الصين، أكبر مركز عالمي لمعالجة الكوبالت.
ورغم عدم وجود أدلة تؤكد استخلاص اليورانيوم من هذه الخامات داخل الصين، يرى بعض خبراء منع الانتشار النووي أن ذلك ممكن من الناحية الفنية، خاصة أن منشآت صناعية في فنلندا سبق أن استخلصت اليورانيوم من خامات مشابهة أثناء عمليات التكرير، بينما تؤكد بكين التزامها بالاستخدام السلمي للطاقة النووية وتنفيذ التزاماتها الدولية.
الكونغو تتحرك لتعزيز الرقابة
في مواجهة هذه المخاوف، تسعى السلطات الكونغولية إلى تركيب أجهزة متطورة لرصد الإشعاع على الطرق التي تنقل عبرها شاحنات الكوبالت إلى الدول المجاورة، بهدف اكتشاف أي شحنات تحتوي على مستويات مرتفعة من المواد المشعة.
كما تجري الحكومة محادثات مع شركاء دوليين للحصول على تمويل لتنفيذ المشروع، في ظل تقديرات تشير إلى أن تعميم منظومة المراقبة على مختلف أنحاء البلاد سيتطلب استثمارات كبيرة، مع استمرار الجهود للحد من مخاطر التهريب وحماية العاملين في قطاع التعدين.
ماذا يعني هذا الحدث؟
يكشف هذا التحقيق عن تحدٍ جديد يواجه سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية، حيث لم تعد القضية تقتصر على تأمين إمدادات الكوبالت اللازم لصناعة البطاريات، بل امتدت إلى ضمان عدم انتقال المواد المشعة بصورة غير خاضعة للرقابة. كما يسلط الضوء على التداخل المتزايد بين أمن الطاقة، والتعدين، والأمن النووي في ظل الطلب العالمي المتزايد على المعادن الحيوية.
وخلال الفترة المقبلة، قد تتجه الحكومات والشركات إلى تشديد إجراءات الفحص الإشعاعي داخل سلاسل الإمداد، مع زيادة الرقابة الدولية على صادرات الكوبالت القادمة من الكونغو. ومن المرجح أيضًا أن تتوسع الاستثمارات في تقنيات فصل المواد المشعة عن الخامات المعدنية، بما يعزز سلامة العاملين ويحافظ على أمن التجارة العالمية للمعادن الاستراتيجية.

إقرأ أيضا:
بعبع الثانوية العامة.. لماذا لا يحدد المجموع مستقبل أبنائنا؟





