حادث ميناء دمياط.. قراءة في خلفيات الأزمة ومن المستفيد؟
لم أشأ أن أكون واحدًا من هؤلاء الذين يتسابقون إلى الميكروفونات والشاشات ليدلوا بدلوهم
في حادث ميناء دمياط، فيصدروا الأحكام قبل أن تتضح الصورة، ويفتوا في أمر يخص الأمن القومي المصري
وكأنهم أعلم من أجهزة الدولة ورجالها الساهرين على حماية الوطن ليلًا ونهارًا.
آثرت الصمت، لا عجزًا عن الكلام، بل حرصًا على أن يصدر الكلام في وقته وبميزانه الصحيح.
القاعدة الأولى في فهم حادث ميناء دمياط: من المستفيد؟
القاعدة التي تعلمتها في هذه المهنة أن الحدث لا يُفهم بمعزل عن بيئته، وأن أول سؤال يجب أن يُطرح دائمًا هو:
من المستفيد؟
فالمنطقة اليوم تشهد حربًا شرسة شنتها دولة عظمى، بالتحالف مع دويلة إقليمية، ضد دولة إقليمية وأذرعها العسكرية، وهي حرب لم تشهد المنطقة مثيلًا لها من قبل في حجم الدمار الذي خلّفته.
ومع ذلك، فإن النظام المستهدف لا يعنيه الخراب بقدر ما يعنيه أن يبقى قائمًا لا ينكسر، وهو ما سماه أنصاره «صمودًا»، وسماه خصومه «عنادًا»، أما أنا فأسميه ببساطة: صراع بقاء.
الأزمة الإقليمية.
أما الطرف المعتدي، فقد دخل نفقًا مظلمًا لا يرى له نهاية، تُثقل كاهله الخسائر الفادحة، وتضغط عليه
استحقاقات الانتخابات البرلمانية، ويعاني من نقص في السلاح، ومن أزمة اقتصادية خانقة بسبب ارتفاع
أسعار النفط ونضوب مخزونه الاستراتيجي.
فماذا يفعل من وجد نفسه في هذا المأزق؟
يلجأ – كما هي عادة الكبار حين يعجزون – إلى توريط غيره في حربه، فيسعى إلى جر السوري
إلى اشتباك مع حزب الله، والسعودي إلى مواجهة ميليشيات العراق واليمن، حتى تستقطب
المنطقة نفسها وتنقسم على نفسها، فتشتعل حرب مذهبية بين السنة والشيعة، وهي من ذلك الصنف من الحروب التي لا تبقي ولا تذر.
حرب يفنى فيها كل طرف قوة الطرف الآخر، فتخرج القوة العظمى من الميدان دون أن تُحسب عليها
خسارة، بينما تتمدد القوة الإقليمية لتحقيق مشروعها الذي تحلم به منذ عقود.
موقع مصر في المشهد..
فهل تقف مصر، وهي أقوى قوة إقليمية في هذه المنطقة، مكتوفة الأيدي، بعيدة عن هذا المخطط؟
وهل ظن من دبّر واستهدف أن اضطراب الأوضاع من حولها سيُوهن عزيمتها أو يفت من عضدها؟
هذا هو السؤال الذي إن أجاب عليه القارئ الكريم بصدق، عرف من وراء حادث ميناء دمياط، ومن يقف خلف الستار.
يبقى حادث ميناء دمياط قضية تستوجب التريث وعدم إصدار الأحكام المسبقة، حتى تنتهي
الجهات المختصة من تحقيقاتها وتُعلن الحقائق كاملة. وفي الوقت نفسه، يظل سؤال “من المستفيد؟”
حاضرًا عند قراءة أي حدث يرتبط بالأمن القومي أو بالتطورات الإقليمية، باعتباره مدخلًا لفهم الصورة الأوسع.
دامت مصر عزيزة آمنة.



