التاج الملكي موشوم على أجساد الأفارقة المستعبدين: تاريخ الملكية البريطانية المظلم مع تجارة الرقيق

وفقًا لتحقيق استقصائي نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية،التاج الملكي موشوم على أجساد الأفارقة المستعبدين: تاريخ الملكية البريطانية المظلم مع تجارة الرقيق
كشف مؤرخون وثّقوا ارتباط الملكية البريطانية الممتد لقرون بتجارة الرقيق في بريطانيا أن الأفارقة المستعبدين كانوا يُكوَون بالحديد الساخن بعلامة تحمل شكل التاج الملكي،
في أحدث فصل من تحقيق تاريخي موسّع يكشف عمق تورط العرش البريطاني في هذه التجارة البشعة.
سجل تاريخي يوثق آلاف المستثمرين من بينهم ملوك وملكات
يحدد “سجل تجار الرقيق البريطانيين” آلاف الأشخاص الذين استثمروا في تجارة بريطانيا للأفارقة المستعبدين، من بينهم ملوك وملكات.

وردًا على تغطية “الغارديان” لهذا البحث الجديد المتعلق بالملكية،
قال متحدث باسم الملك تشارلز إنه “ممتن لكل من يقوم بعمل أكاديمي في هذا المجال، ما يسهم في النقاش حول أفضل طريقة لمعالجة هذه القضايا”.
اكتشاف وثائقي صادم في أرشيف “شركة بحر الجنوب”
اكتشف الدكتور نيكولاس رادبيرن، المؤرخ في جامعة لانكستر، دليلاً على عمليات الوسم في أرشيف “شركة بحر الجنوب”،
وهي شركة بريطانية مدعومة من التاج نقلت آلاف الأفارقة المستعبدين إلى المزارع في القرن الثامن عشر.
وعثر رادبيرن على رسالة أرسلها مجلس إدارة الشركة إلى وكلائها في بوينس آيرس، تعليمات فيها بوسم الأشخاص المستعبدين بحديد ساخن يحمل شكل التاج، رمزًا لدور الملكية البريطانية في هذه التجارة،
رغم تحذير طبيب من هذه الممارسة، إذ أصرّ المجلس، الذي ضم شخصيات من النخبة البريطانية كأعضاء برلمان ومديرين في بنك إنجلترا، على المضي قدمًا.
نص الرسالة يكشف قسوة مدروسة بتفاصيل دقيقة

جاء في الرسالة: “اتضح الآن أنكم لا تسمون الزنوج أبدًا، بحجة أن الفرنسيين لم يفعلوا ذلك قط، وأن الدكتور دوفر قال إن علامتكم الكبيرة جدًا قد تعرّض الزنوج للخطر”.
وأصرّ المديرون على تجاهل نصيحة الطبيب، كاتبين أن هذه هي “الطريقة الأكثر فعالية لتمييز زنوجنا عن غيرهم”،
مرفقين مع الرسالة علامة فضية على شكل تاج وتعليمات حول كيفية وسم الأفارقة المستعبدين بها: “ستتلقون طيّ هذه الرسالة علامة فضية صغيرة،
وبخصوص طريقة استخدامها، فإن أسلوب مصانعنا الأخرى هو وسم الزنوج على الكتف الأيسر بتسخين العلامة حتى تصبح حمراء ساخنة”.
ووُقّعت الرسالة بعبارة: “أصدقاؤكم المحبون، مجلس المديرين”.
قسوة تجارية مدروسة من نخبة لندن
يرى رادبيرن أن هذه الرسالة توضح مدى التفصيل الدقيق في قسوة الشركة اللاإنسانية ووعيها التام بها، قائلاً: “كان هؤلاء الأشخاص من نخبة لندن،
يجتمعون في قاعة اجتماعات، ويفكرون بتفاصيل دقيقة للغاية في العنف الذي يجب توجيهه ضد المستعبدين عبر المحيط،
وقد حدث ذلك فعليًا نتيجة تلك الرسالة، إذ أُحرقت أجساد بشرية حقيقية بتلك العلامة”.
مشروع استعباد وطني رسمي بقيادة الملوك
يوثّق سجل تجار الرقيق البريطانيين، وهو السجل التاريخي الجديد الذي قاد رادبيرن التحقيق الرئيسي فيه،
كيف نُفذت عملية استعباد وترحيل بريطانيا لأكثر من ثلاثة ملايين أفريقي على مدى نحو مئتين وخمسين عامًا كمشروع وطني رسمي بقيادة ملوكها.
ومن المتوقع أن يعزز نشر هذا السجل، وهو أشمل مشروع بحثي حول مستثمري تجارة الرقيق الأفريقي البريطانية،
الدعوات المطالبة بأن يعترف الملك تشارلز أخيرًا بعمق تورط الملكية في هذه التجارة.
ملوك ما بعد استعادة الملكية كانوا الأكثر ضلوعًا
كان الملوك والملكات الأكثر تحريكًا لعجلة هذه التجارة هم من حكموا عقب استعادة الملكية عام 1660.
فقد كان جيمس، دوق يورك، الذي أصبح لاحقًا الملك جيمس الثاني، حاكمًا ومساهمًا كبيرًا في “شركة أفريقيا الملكية” التي تأسست عام 1672،
والتي رحّلت رجالًا ونساءً وأطفالًا أفارقة أكثر من أي منظمة أخرى في تاريخ تجارة الرقيق.
وأُسست هذه الشركة وسابقتها “شركة المغامرين الملكيين” على يد شقيق جيمس، الملك تشارلز الثاني،
بدعم من حاشية ملكية وسياسيين وممولين، وكانت اجتماعاتها التي تُتخذ فيها قرارات ترحيل المستعبدين تُعقد في شقة جيمس الشخصية بقصر وايتهول.
“شركة أفريقيا الملكية” وركيزة إعادة تأهيل الملكية
يرى البروفيسور ويليام بيتيغرو، كبير مؤرخي ومحققي السجل،
أن هذه الشركات الملكية للاستعباد كانت حاسمة لملوك أسرة ستيوارت في سعيهم لترسيخ الملكية المستعادة كمؤسسة،
قائلاً: “أنظر إلى جيمس الثاني باعتباره أهم تاجر رقيق إنجليزي في القرن السابع عشر، إذ كانت الشركات الأفريقية محورية في خطة إعادة تأهيل الملكية ضمن الدستور البريطاني”.
وأدار جيمس هذه التجارة عبر الأطلسي مع ابن عمه الأمير روبرت أوف ذا راين، الذي وصفه السجل بأنه “صاحب الرؤية لتجارة رقيق إنجليزية كاملة الأركان ومدعومة من الدولة”،
فيما استثمرت شخصيات ملكية أخرى في هذه الشركات، بينها زوجة تشارلز الثاني البرتغالية الملكة كاثرين أوف براغانزا.
وسم بأحرف ترمز للملكية والشركة
وثّقت البروفيسورة بروك نيومان في كتابها “صمت التاج” تورط الملكية البريطانية الممتد لقرون في استعباد الأفارقة،
من أولى رحلات الترحيل التي دعمتها الملكة إليزابيث الأولى في ستينيات القرن السادس عشر وصولاً إلى الملك ويليام الرابع الذي عارض إلغاء الرق لعقود.
وكتبت نيومان أن “شركة أفريقيا الملكية” وسمت المستعبدين الأفارقة أيضًا في حصونها ومصانعها الساحلية بحرفي “دي واي” رمزًا لدوق يورك، وحروف “آر إيه سي إي” رمزًا للشركة نفسها.
معاهدة “أسينتو” لعام 1713 وتجارة الأشخاص كبند دبلوماسي

كجزء من معاهدة سلام عام 1713، اتفقت الملكة آن مع الملك الإسباني فيليب الخامس على منح بريطانيا “الأسينتو”،
وهو اتفاق لتوريد أربعة آلاف وثمانمئة رجل أفريقي مستعبد سنويًا إلى المستعمرات الإسبانية الأمريكية،
وأعلنت آن ذلك منتصرة أمام مجلس اللوردات مؤكدة حصولها على هذا العقد لمدة ثلاثين عامًا. وكانت الملكة آن مستثمرة رئيسية في “شركة بحر الجنوب” التي تأسست عام 1711،
وامتلكت حقوقًا في ما يقارب ربع أرباحها الإجمالية، ومنحت الشركة حق “الأسينتو” الذي تعاقدت بدورها مع “شركة أفريقيا الملكية” لتنفيذه،
فيما واصل خلفاؤها جورج الأول وجورج الثاني الاستثمار الشخصي في الشركة ودعمها.
آلاف الضحايا وتجارة مستمرة عبر عقود
بحسب قاعدة بيانات “رحلات الرقيق”، رحّلت “شركة بحر الجنوب” ثلاثة وأربعين ألفًا ومئتين وعشرين أسيرًا أفريقيًا من غرب أفريقيا ومدغشقر إلى الكاريبي والأمريكتين الإسبانية بين عامي 1714 و1740، ليُرحّلوا بعدها مجددًا ويُجبروا على السير مئات الأميال برًا نحو ساحل المحيط الهادئ لأمريكا الجنوبية، بحسب رادبيرن، فيما نقلت الشركة أيضًا أكثر من خمسين ألف شخص مستعبد داخل الأمريكتين. وانطلقت سفن الترحيل، التي حملت أسماء مثل “كراون” و”كينغ وليام” و”وليام آند ماري”، جميعها من لندن، ولقي ما يقارب سبعة آلاف شخص حتفهم جراء الظروف السيئة سيئة الصيت على متن هذه السفن.
ضغوط متصاعدة على الملك تشارلز للاعتراف بهذا التاريخ
من المتوقع أن تتصاعد الضغوط على الملك تشارلز من دول أفريقية وكاريبية للاعتراف بهذا التاريخ وتجاوز عبارات الأسف السابقة، قبيل اجتماع رؤساء حكومات الكومنولث المقبل في أنتيغوا وبربودا في نوفمبر المقبل. غير أن الحكومات المتعاقبة لم تعتذر رسميًا عن دور بريطانيا في الرق، ورفضت أي نقاش حول التعويضات، وحتى لو رغب تشارلز في ذلك، فهو مقيد دستوريًا كملك بموقف الحكومة المعلن.
وفد رسمي من جامايكا يطالب بحكم قانوني
سلّم وفد رسمي من جامايكا الأسبوع الماضي التماسًا لتشارلز يطلب حكمًا قانونيًا من مجلس الملكة الخاص، محكمة الاستئناف النهائية للأقاليم البريطانية الخارجية وبعض دول الكومنولث،
يسأل عما إذا كان الترحيل القسري للأفارقة إلى جامايكا كان قانونيًا، وما إذا كان يشكل جريمة ضد الإنسانية، وما إذا كانت بريطانيا ملزمة بتقديم تعويضات لجامايكا عن الرق وتداعياته المستمرة.
تشارلز يعبّر عن الأسف دون اعتذار رسمي
عبّر تشارلز علنًا عن أسفه إزاء الاستعباد، واصفًا إياه بأنه “فظاعة مروعة” ومشيرًا إلى “أكثر جوانب ماضينا إيلامًا”، لكنه لم يعترف رسميًا أو يعتذر عن دور بريطانيا أو الملكية في ارتكابه.
وفي عام 2023، أشار للمرة الأولى إلى دعمه لأبحاث حول الروابط التاريخية للملكية البريطانية بتجارة الرقيق عبر الأطلسي.
تصريح رسمي من قصر باكنغهام
قال متحدث باسم الملك: “أعرب جلالته في مناسبات عديدة عن التزامه الشخصي والكامل بتعزيز فهم أعمق لقضية الرق،
وإيجاد سبل لمعالجة الأخطاء التاريخية لصالح المجتمعات اليوم، وفي هذا السياق، فهو ممتن لكل من يقوم بعمل أكاديمي في هذا المجال، ما يسهم في النقاش حول أفضل طريقة لمعالجة هذه القضايا”.
دعوات من الكاريبي للملكية البريطانية للتحرك

قال ديفيد كوميسيونغ، سفير بربادوس لدى الجماعة الكاريبية، إنه يدرك أن الدور الدستوري لتشارلز يعني أنه يجب ألا يخالف السياسة الحكومية،
مضيفًا: “لكن تمامًا كما اعترفت عائلات بريطانية أخرى من الطبقة الراسخة بتورطها في مشروع الرق وأبدت استعدادًا لتقديم تعويضات
فإن أي شخص مدرك لتاريخ الملكية البريطانية سيخلص إلى أن العائلة الملكية البريطانية ينبغي أن تتصرف بالمثل”.
قراءة تحليلية: ماذا يعني هذا الكشف لمستقبل النقاش حول التعويضات
يكشف هذا التحقيق التاريخي الموسّع عن عمق تورط المؤسسة الملكية البريطانية في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية عبر التاريخ،
بما يتجاوز مجرد الصمت أو التواطؤ إلى المشاركة المباشرة في التخطيط والاستثمار وحتى الإشراف على تفاصيل القسوة الجسدية الممارسة ضد المستعبدين.
ويحمل هذا الكشف تداعيات سياسية ودبلوماسية متصاعدة، خصوصًا مع اقتراب اجتماع الكومنولث المقبل وتصاعد المطالبات الأفريقية والكاريبية بالاعتراف والتعويض. أما على المدى المنظور،
فمن المرجح أن يشكل هذا البحث ضغطًا إضافيًا على الملكية البريطانية والحكومة البريطانية على حد سواء لإعادة النظر في موقفهما الرافض لمناقشة التعويضات،
خصوصًا مع تصاعد الأدلة التاريخية الموثقة التي تربط العرش البريطاني نفسه بشكل مباشر بهذه التجارة البشعة، وليس فقط كمتفرج صامت عليها.


