ثروة بلا عمل.. لماذا أصبحت الأصول لا الرواتب هي مفتاح النفوذ والنجاح في الاقتصاد الحديث؟

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، يشهد الاقتصاد العالمي تحولًا عميقًا في طبيعة تكوين الثروة، إذ لم تعد الرواتب والدخول السنوية هي العامل الأساسي في تحديد المكانة الاقتصادية للأفراد، بل أصبحت الثروة المتراكمة والأصول المالية والعقارية تلعب الدور الأكبر في رسم الفوارق الاجتماعية. ويرى التقرير أن هذا التحول يفسر جانبًا كبيرًا من تنامي الجدل حول عدم المساواة في الثروة، رغم أن المؤشرات التقليدية لا تظهر ارتفاعًا كبيرًا في تركّز الثروات خلال السنوات الأخيرة. فالمشكلة، بحسب التحليل، لم تعد تتعلق فقط بكيفية توزيع الثروة، وإنما بقدرة الأفراد على الانتقال بين الطبقات الاقتصادية عبر العمل والادخار. ومع تراجع دور الدخل مقابل تنامي قيمة الأصول، أصبح تحقيق الارتقاء الاقتصادي أكثر صعوبة، ما يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي في الدول المتقدمة.
الثروة تتفوق على الدخل في تحديد المكانة الاقتصادية
يشير التقرير إلى أن النقاش حول ضرائب الثروة وعدم المساواة أصبح أكثر حضورًا في الولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن البيانات تظهر أن حصة أغنى 10% أو حتى أغنى 1% من إجمالي الثروة لم ترتفع بصورة كبيرة خلال نحو 15 عامًا.
لكن الكاتب يرى أن هذه الأرقام لا تعكس جوهر المشكلة، لأن القضية الحقيقية تكمن في تراجع فرص الأفراد في تحسين أوضاعهم الاقتصادية عبر العمل وحده، حتى لو بقي توزيع الثروة النسبي دون تغير كبير.
ارتفاع قيمة الأصول بوتيرة أسرع من الرواتب
يوضح التقرير أن متوسط الثروة الصافية للأسر في بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا تضاعف تقريبًا بالقيمة الحقيقية منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، بينما لم ترتفع الدخول إلا بنحو 30% خلال الفترة نفسها.
ويعني ذلك أن أسعار الأصول، مثل العقارات والاستثمارات المالية، نمت بسرعة تفوق نمو الأجور، ما جعل امتلاك الأصول عاملًا أكثر أهمية من الراتب في تحديد مستوى الثراء والقدرة الاقتصادية.
صعود الطبقة الاقتصادية أصبح أكثر صعوبة
بحسب التحليل، كان العامل متوسط الدخل في بريطانيا يحتاج قبل عقود إلى نحو 20 عامًا من الادخار للانتقال من الربع الأدنى إلى الربع الأعلى في توزيع الثروة، أما اليوم فقد تضاعفت المدة إلى نحو 40 عامًا.
ويؤكد التقرير أن هذا الاتجاه لا يقتصر على بريطانيا، بل يظهر بدرجات متفاوتة في عدد من الاقتصادات المتقدمة، ما يعني أن فرص الترقي الاقتصادي أصبحت أكثر محدودية مقارنة بالأجيال السابقة.
الثروة الموروثة تحقق مكاسب أكبر من العمل
يرى التقرير أن المكاسب الناتجة عن ارتفاع أسعار الأصول أو انتقال الثروة بين الأجيال أصبحت أكثر تأثيرًا من الدخل الناتج عن العمل في تحديد الوضع الاقتصادي للفرد.
كما يشير إلى أن تأثير الثروة لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح يرتبط أيضًا بمستويات الرضا عن الحياة والاستقرار النفسي، بعدما كانت مستويات الدخل هي العامل الأكثر تأثيرًا في تسعينيات القرن الماضي.
المليارديرات وتغير نظرة المجتمعات للثروة
يلفت التقرير إلى أن الصورة العامة لأصحاب الثروات الضخمة تغيرت خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت تدخلاتهم في السياسة والفضاء العام أكثر وضوحًا من السابق، الأمر الذي ساهم في تصاعد الانتقادات الشعبية تجاه كبار الأثرياء.
ويضرب التقرير مثالًا بالملياردير إيلون ماسك، الذي أثارت مواقفه السياسية وقراراته المتعلقة ببعض السياسات الحكومية جدلًا واسعًا، كما يرى أن منصات التكنولوجيا نفسها ساهمت في إبراز الفوارق الاقتصادية بشكل يومي أمام المستخدمين.
ماذا يعني هذا التحول؟
يعكس هذا التطور انتقال الاقتصادات المتقدمة من مرحلة كان فيها العمل والدخل يمثلان الطريق الرئيسي لتحسين المستوى المعيشي، إلى مرحلة أصبحت فيها ملكية الأصول والثروات المتراكمة العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد المكانة الاقتصادية.
وقد يؤدي استمرار هذا الاتجاه إلى زيادة الضغوط على الحكومات لإعادة النظر في السياسات الضريبية والإسكانية وآليات توزيع الفرص الاقتصادية، خاصة إذا استمرت أسعار الأصول في الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو الأجور.
وفي المقابل، قد تتوسع النقاشات حول إصلاح أنظمة الضرائب على الثروة، وتحفيز تملك الأصول للأسر متوسطة الدخل، بهدف الحفاظ على فرص الحراك الاجتماعي وتقليص الفجوة بين الأجيال، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيرًا كبيرًا في مؤشرات عدم المساواة التقليدية.
إقرأ أيضا:
اتفاق لنزع سلاح حماس.. والحركة تتحدث عن انسحاب إسرائيلي وسط غياب التأكيد الرسمي



