عيادات “الديمومة” المشبوهة: كيف تبيع أمريكا وعودًا زائفة بالشباب الدائم عبر الخلايا الجذعية
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة“فايننشال تايمز” البريطانية، كشف تحقيق استقصائي موسع عن ازدهار سوق موازٍ داخل الولايات المتحدة الأمريكية يروّج لعلاجات الخلايا الجذعية باعتبارها وصفة سحرية لإطالة العمر وتحسين الصحة، رغم أن هذه الادعاءات تفتقر إلى أي سند علمي موثوق.
عيادة في لوس أنجلوس تبيع الأمل بثمانية عشر ألف دولار

في إحدى العيادات بمدينة لوس أنجلوس، استقبلت الطبيبة هايدي ريجيناس مريضة تعاني من التهاب مفصلي مؤلم في الركبتين، ووعدتها بـ”تجديد” مفاصلها بأكثر الطرق طبيعية عبر حقن خلايا جذعية مستخلصة من حبال سرية ومشيمات متبرَّع بها، مقابل مبلغ يقارب ثمانية عشر ألفًا وأربعمئة وخمسين دولارًا. غير أن الطبيبة لم تفصح للمريضة، التي كانت في الحقيقة صحفية متخفية من الصحيفة، عن أن هذا العلاج غير مثبت علميًا وأن بيعه يخالف القانون الفيدرالي الأمريكي، كما لم تذكر أن العيادة التي تعمل بها سبق أن تلقت تحذيرين رسميين من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بسبب تسويقها لأدوية جديدة غير معتمدة، آخرها تحذير صدر العام الماضي تضمن مخالفات تصنيعية عديدة، بينها سجلات مفقودة لأهلية المتبرعين ومنتجات منتهية الصلاحية أُعيد وضع ملصقات جديدة عليها، ويحذّر خبراء متخصصون من أنها قد تشكل خطرًا حقيقيًا على حياة المرضى. ويكشف التحقيق كيف تحولت هذه الممارسات من نطاق محدود يقتصر على الأثرياء الباحثين عن علاجات الديمومة خارج البلاد، إلى عيادات منتشرة في الشوارع الرئيسية تستقطب موظفين عاديين، وسط تراخٍ رقابي يتيح لأطباء سبق أن صدرت بحقهم تحذيرات رسمية أو حتى دعاوى إهمال طبي مواصلة نشاطهم دون رادع يُذكر
سوق متنامٍ رغم تشديد الرقابة الفيدرالية

منذ خمسينيات القرن الماضي، استُخدمت الخلايا الجذعية في علاجات طبية مثبتة مثل زراعة نخاع العظم وترقيع الجلد، ولا يزال العلماء يبحثون في إمكاناتها العلاجية لأمراض أخرى كباركنسون ومشكلات القلب، لكن هذه الاستخدامات تبقى في معظمها حبيسة التجارب السريرية والأبحاث المخبرية. ورغم ذلك، تشير دراسات أعدها ليّ تيرنر، مدير مركز أخلاقيات الصحة في جامعة كاليفورنيا بإرفاين، إلى أن عدد العيادات التي تقدم علاجات خلايا جذعية غير مثبتة قفز من حفنة محدودة في أواخر العقد الأول من الألفية إلى ما يقارب ست مئة عيادة بحلول عام 2016، ليصل إلى أكثر من ألفين وسبعمئة عيادة عام 2021، في نمو مستمر رغم تصاعد النشاط الرقابي، وهو اتجاه يتوقع خبراء أن يزداد سوءًا في ظل تصريحات وزير الصحة الأمريكي روبرت كينيدي الابن الداعمة لما يسميه “إنهاء حرب” الإدارة على الطب البديل.
علم غير مكتمل ووعود مبالغ فيها
يوضح خبراء أن الفصل بين الحقائق العلمية المثبتة والادعاءات المبالغ فيها حول الخلايا الجذعية أمر بالغ التعقيد، إذ صحيح أن هذه الخلايا قادرة نظريًا على التوجه نحو مناطق الإصابة وتعديل الجهاز المناعي والتحول إلى أنواع خلايا مختلفة، لكن الفكرة القائلة بأن تحقيق هذه الفوائد أمر بسيط يقتصر على استخلاص الخلايا وزرعها في المكان المطلوب فكرة خاطئة تمامًا. ويشبّه زوبين ماستر، عضو لجنة السياسات العامة في الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية، البيئة الخلوية بمنظومة بيئية دقيقة ومتوازنة للغاية، محذرًا من أن مجرد انتزاع خلية من هذه المنظومة، ولو مؤقتًا، قد يجعلها لا تتصرف كما كانت عليه سابقًا، وهو ما يفسر التعقيد الكبير الذي يكتنف علاجات استبدال الخلايا.
حوادث متزايدة وضحايا حقيقيون يدفعون الثمن
أظهر تحليل أجرته الصحيفة لقاعدة بيانات الحوادث الضارة التابعة لإدارة الغذاء والدواء ارتفاعًا في عدد البلاغات المرتبطة بمنتجات الخلايا الجذعية غير المعتمدة، من خمس حالات فقط عام 2024 إلى سبع عشرة حالة عام 2025، فيما وثّقت مراجعة سابقة أعدتها مؤسسة “بيو” أكثر من ثلاثمئة وثلاثين حادثة ضارة موزعة بين عامي 2004 و2020، شملت حالات إعاقة دائمة وعشرين حالة وفاة موثقة. ومن بين القصص التي وثقتها الصحيفة حالة شين غودارد الذي سافر من ولاية تينيسي إلى عيادة في المكسيك ودفع نحو خمسة عشر ألفًا وستمئة وخمسة وتسعين دولارًا مقابل حقن خلايا جذعية في عموده الفقري أملاً في تخفيف ألم قديم، لينتهي به الأمر بعدوى خطيرة استدعت جراحة طارئة وستة أسابيع من العلاج في المستشفى، مع فقدان دائم لقدرته على استخدام يديه حتى اليوم.
تحايل قانوني ودعاوى قضائية لم تردع المخالفين
رغم أن القانون الأمريكي يفرض على أي دواء أو منتج بيولوجي جديد الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء عبر تجارب سريرية تثبت سلامته وفعاليته، فإن كثيرًا من العيادات تواصل نشاطها متجاهلة التحذيرات الرسمية. فقد صدرت أحكام قضائية بحق عدد من مقدمي هذه العلاجات، منها حكم بالسجن ثلاثة وثلاثين شهرًا بحق مصنّع منتجات خلايا جذعية في كاليفورنيا عام 2024 بعد ارتباط منتجاته بدخول تسعة عشر شخصًا إلى المستشفى، إضافة إلى دعوى قضائية ناجحة رفعتها المدعية العامة لولاية نيويورك عام 2019 ضد طبيب وعيادته لتسويقه علاجات غير مثبتة، أُلزم بموجبها بدفع نحو خمسة ملايين ومئة ألف دولار كغرامات وتعويضات. ومع ذلك، يرى مسؤولون سابقون في الإدارة أن هذه الإجراءات لم تُحدث أثرًا رادعًا حقيقيًا في صناعة وصفوها بأنها “خارجة عن السيطرة” بطبيعتها.
تشريعات ولائية متضاربة تزيد الالتباس لدى الجمهور

عقّدت تشريعات ولائية جديدة صدرت منذ عام 2024 في ولايات مثل فلوريدا ويوتا وويومنغ المشهد القانوني، إذ تسمح هذه القوانين للأطباء بتقديم علاجات خلايا جذعية غير معتمدة ضمن شروط معينة، رغم أن القانون المحلي لا يمكنه عمليًا إلغاء صلاحية الرقابة الفيدرالية. وقد استغلت بعض العيادات هذا الالتباس القانوني، إذ زعمت إحداها في موادها الترويجية أن منتجاتها من الخلايا الجذعية “غير معدَّلة إطلاقًا”، ما يؤهلها لتصنف كعمليات زرع أنسجة لا كأدوية، وهو ادعاء وصفته تحذيرات رسمية صادرة عن الإدارة بأنه غير دقيق. وتقر الإدارة نفسها بأن علاجات الخلايا الجذعية تمثل أولوية رقابية متصاعدة، مؤكدة التزامها بحماية المرضى بغض النظر عن البيئة السياسية المحيطة
اقرا ايضا:
الخلايا الجذعية.. ما الاستخدامات الطبية المثبتة وما الذي لا يزال قيد البحث؟



