قام جنود الحرس الوطني الأمريكي برحلات جوية باستخدام نظام HIMARS عبر البلاد وقاموا بمحاكاة ضربات جوية عميقة
وفقًا لتقرير نشرته منصة “أرمى نيوز”، نفذت قوات الحرس الوطني الأمريكي تمرينًا عسكريًا واسع النطاق شهد نقل منظومة الصواريخ المتحركة “هيمارس” جواً لمسافة تتجاوز 3200 كيلومتر من ولاية ميشيغان إلى صحراء كاليفورنيا، في عملية تدريبية تهدف إلى محاكاة تنفيذ ضربات عميقة داخل مسارح عمليات قتالية محتملة. ويأتي هذا التمرين ضمن سلسلة من التدريبات المتقدمة التي تجمع بين الجيش الأمريكي وسلاح الجو لتطوير مفهوم “الانتشار السريع والضرب الدقيق”، في إطار الاستعداد لصراعات مستقبلية محتملة تتسم بالسرعة والعمق الجغرافي الكبير. ويُعد هذا الحدث من أبرز تدريبات الحرس الوطني خلال عام 2026، نظرًا لاعتماده على دمج النقل الجوي الثقيل مع أنظمة الصواريخ الدقيقة في بيئة قتال محاكاة عالية الكثافة.
من ميشيغان إلى صحراء كاليفورنيا.. عملية لوجستية معقدة
بدأت العملية بنقل منظومة “هيمارس” على متن طائرة نقل عسكرية من طراز سي 130 جي، حيث تم تحميلها بعد خفض ارتفاعها باستخدام نظام التعليق الهيدروليكي لتناسب مدرج الشحن الداخلي للطائرة. وبعد رحلة استمرت عبر القارة الأمريكية، تم إنزال المنظومة في منطقة التدريب الوطني بقاعدة فورت إيروين، حيث خضعت لاختبارات إطلاق صواريخ دقيقة ضمن سيناريوهات تحاكي بيئات قتالية حقيقية.
ويعكس هذا النوع من العمليات مدى التطور في القدرات اللوجستية للجيش الأمريكي، الذي بات قادرًا على نقل منظومات مدفعية صاروخية ثقيلة بسرعة عبر مسافات شاسعة، بما يسمح بإعادة تموضع وحدات الإطلاق خلال وقت قصير وتنفيذ ضربات في مناطق غير متوقعة، وهو ما يمثل عنصرًا حاسمًا في الحروب الحديثة التي تعتمد على السرعة والمفاجأة.
مفهوم “الانتشار السريع” يعيد تعريف المدفعية الصاروخية
يرتكز التمرين على مفهوم عسكري يُعرف باسم “الاختراق السريع لمنظومة هيمارس”، والذي يقوم على نقل منصة إطلاق الصواريخ إلى مواقع بعيدة جواً، وتنفيذ ضربة دقيقة ثم إعادة سحبها بسرعة قبل أن تتمكن قوات العدو الافتراضية من رصدها أو استهدافها. ويهدف هذا التكتيك إلى تقليل الوقت الذي تبقى فيه المنظومة في وضع ثابت، في ظل تطور أنظمة الاستطلاع والرادارات المضادة التي جعلت المواقع التقليدية للمدفعية عرضة للاكتشاف السريع.
ويُنظر إلى هذا الأسلوب باعتباره تطويرًا لفكرة “اضرب واهرب”، لكنه يعتمد على النقل الجوي بدل الحركة البرية، ما يمنح القوات قدرة على تنفيذ ضربات عميقة في عمق مسرح العمليات دون الحاجة إلى انتشار مسبق طويل المدى.
الحرس الوطني يدخل قلب تدريبات الحرب عالية الشدة
لأول مرة، تم دمج وحدات الحرس الوطني الأمريكي بشكل مباشر في تدريبات “مركز التدريب القتالي الوطني” التي تحاكي سيناريوهات حرب واسعة النطاق باستخدام نفس مستوى التعقيد الذي تخضع له وحدات الجيش النظامي. ويعد هذا التحول خطوة مهمة في رفع جاهزية قوات الاحتياط، بحيث لا تبقى منفصلة عن طبيعة التدريبات التي يخضع لها الجنود النظاميون.
وقد شاركت وحدة مدفعية من ميشيغان في تنفيذ المهمة، حيث أكدت قيادتها أن التدريب يعكس قدرة الحرس الوطني على العمل بنفس كفاءة الوحدات الفعلية في ظروف قتالية حقيقية، مع التركيز على التنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة.
دور سلاح الجو في نقل القدرات الصاروخية
أدى سلاح الجو الأمريكي، عبر طائرات النقل من طراز سي 130 جي، دورًا محوريًا في نجاح العملية، حيث تم تأمين نقل المنظومة الثقيلة عبر القارة. وتعتمد هذه العملية على تنسيق دقيق بين الطيارين وقوات المدفعية، إذ يجب تجهيز المنظومة بطريقة تسمح بتحميلها بسرعة، ثم إنزالها وتشغيلها خلال دقائق معدودة.
ويعكس هذا التكامل بين الجيش وسلاح الجو توجهًا أمريكيًا متزايدًا نحو العمليات المشتركة متعددة الأفرع، حيث لا تعمل كل قوة بشكل منفصل، بل ضمن منظومة واحدة قادرة على تنفيذ عمليات معقدة تشمل النقل والإطلاق وإعادة الانتشار في وقت قياسي.

ماذا يعني هذا التطور في سياق الحروب الحديثة؟
يشير هذا النوع من التدريبات إلى أن الجيش الأمريكي يعيد صياغة مفهوم المدفعية بعيدة المدى، من خلال دمج السرعة الجوية مع الدقة الصاروخية. فبدل الاعتماد على قواعد إطلاق ثابتة يمكن استهدافها، يتم تحويل المنظومات إلى وحدات متنقلة جوًا قادرة على ضرب أهداف عميقة ثم الاختفاء بسرعة.
ويرى محللون أن هذا التطور يعكس دروسًا مستفادة من النزاعات الحديثة، حيث أثبتت الأنظمة الصاروخية الدقيقة فعاليتها في تغيير ميزان القوى عندما تُستخدم بمرونة عالية وسرعة انتشار كبيرة.
السيناريو المتوقع خلال الفترة المقبلة
من المتوقع أن تتوسع الولايات المتحدة في تطبيق مفهوم “الانتشار السريع للمدفعية الصاروخية” ضمن تدريباتها المشتركة مع الحلفاء، خصوصًا في المحيطين الهادئ والأطلسي. كما قد يتم تطوير هذا النموذج ليشمل أنظمة تسليح أخرى أكثر تطورًا، مع تعزيز الاعتماد على الطائرات الثقيلة لنقل القدرات القتالية إلى أي نقطة خلال ساعات.
وفي المقابل، قد تدفع هذه التطورات القوى المنافسة إلى تطوير أنظمة دفاع جوي واستطلاع أكثر دقة، لمواجهة هذا النوع من العمليات التي تعتمد على عنصر المفاجأة والعمق الجغرافي، ما يشير إلى دخول مرحلة جديدة من سباق التطوير العسكري القائم على السرعة والانتشار المرن.



