بعد هدير المدافع .. إلى أين تمضى إيران ؟
في السياسة ، لا تُقاس نتائج الحروب بعدد الصواريخ التى أُطلقت ، ولا بحجم المنشآت التي دُمِّرت ، وإنما تُقاس بما يخرج به كل طرف من مكاسب أو خسائر عند لحظة الجلوس إلى مائدة التفاوض .
ومن هذه الزاوية ، تبدو إيران وكأنها استطاعت أن تعبر واحدة من أخطر المواجهات في تاريخها الحديث وهى تحتفظ بأهم ما كانت تخشاه منذ البداية : بقاء الدولة واستمرار النظام السياسى وعدم الانزلاق إلى سيناريو الفوضى أو التفكك الذى راهن عليه خصومها .
صحيح أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التى جرى التوصل إليها لا تمثل اتفاقاً نهائياً يعالج جذور الأزمة ، وصحيح أيضاً أنها تقتصر على وضع حد أدنى من الشروط اللازمة لوقف الحرب وإدارة مرحلة ما بعدها ، بينما تُرحَّل الملفات الكبرى والخلافات الأكثر تعقيداً إلى جولات تفاوض قد تمتد أشهراً وربما سنوات ، إلا أن ما تسرب من ملامح هذا التفاهم يكشف بوضوح أن طهران لم تخرج من المعركة مهزومة كما كان يتمنى خصومها ، بل خرجت وقد فرضت نفسها رقماً لا يمكن تجاوزه في أى ترتيبات مقبلة .
لقد أثبتت الحرب أن الصمود ليس مجرد شعار ، وأن القدرة على الاحتمال قد تتحول أحياناً إلى سلاح لا يقل تأثيراً عن الصواريخ والطائرات . كما أثبتت أن التخطيط طويل المدى الذي اعتمدته الجمهورية الإسلامية ، سواء عبر استراتيجية الدفاع المتقدم أو من خلال توظيف أوراق الضغط الجيوسياسية التي تمتلكها ، منحها قدرة على المناورة لم تكن متاحة لكثير من الدول التي واجهت ظروفاً مشابهة .
ولعل أهم ما كشفت عنه هذه المواجهة أن إيران نجحت فى تحويل التهديد الخارجى إلى عامل تماسك داخلى ، فعندما تشعر الشعوب أن كيان الدولة ذاته مستهدف ، تتراجع الخلافات وتتقدم الراية الوطنية إلى الواجهة . وهذا ما حدث إلى حد بعيد داخل المجتمع الإيرانى ، حيث اصطف قطاع واسع من المواطنين خلف الدولة في مواجهة ما اعتبره عدواناً خارجياً يستهدف مستقبل البلاد ومكانتها .
غير أن المشكلة الحقيقية لا تبدأ أثناء الحرب ، بل تبدأ بعد انتهائها .
فالحرب التي منحت النظام السياسى فرصة النجاة من أخطر التحديات الخارجية ، قد تضعه في مواجهة تحديات داخلية أكثر تعقيداً وأشد حساسية ، فالشعب الذي تحمل أعباء المواجهة وقدم التضحيات ، سيشعر أن من حقه أن يحصد ثمار ما قدمه ، ولن تكون مطالبه مقتصرة على تحسين الأوضاع المعيشية أو معالجة الأزمات الاقتصادية ، بل ستتجاوز ذلك إلى المطالبة بإصلاحات سياسية ومؤسسية أعمق تواكب حجم التغيرات التي شهدها المجتمع الإيرانى خلال العقود الأخيرة .
وهنا يبرز السؤال الكبير : كيف ستتصرف القيادة الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب ؟
هل ستتعامل مع ما جرى باعتباره انتصاراً يبرر المزيد من التشدد وإحكام القبضة الأمنية والسياسية ؟ أم أنها ستنظر إلى هذا الانتصار باعتباره فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر مرونة وانفتاحاً ؟
التاريخ يعلمنا أن كثيراً من الأنظمة التي خرجت منتصرة من الحروب وقعت في فخ الثقة المفرطة بالنفس ، اعتقدت أن النجاح العسكرى يمنحها تفويضاً دائماً ، وأن الجماهير التى وقفت معها في زمن الخطر ستبقى على الموقف نفسه مهما كانت السياسات المتبعة . لكن الوقائع أثبتت أن الشعوب قد تتحمل الكثير دفاعاً عن أوطانها ، بينما لا تقبل بسهولة أن تتحول تضحياتها إلى مبرر لتأجيل الإصلاح أو إغلاق أبواب التغيير .
ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة شديدة الحساسية بالنسبة لطهران ، فهناك أجيال جديدة تشكلت في ظل عالم مختلف ، وتعيش عصر الاتصالات المفتوحة ، وتملك تصورات مغايرة بشأن الدولة والاقتصاد والحريات ودور المؤسسات . وهذه الأجيال لم تعد تنظر إلى السلطة بالمنظار نفسه الذى كان سائداً قبل عقود .
كما أن البيئة الإقليمية نفسها تتغير بسرعة مذهلة ، فالشرق الأوسط الذى عرفناه قبل عشر سنوات ليس هو الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم ، والتحالفات القديمة تتبدل ، ومراكز القوة تتحرك ، ومفاهيم الأمن القومى تتغير ، بينما تبحث دول المنطقة عن صيغ جديدة للاستقرار والتنمية والتعاون .
وفي هذا السياق ، يبرز سؤالاً آخر لا يقل أهمية : هل ما زالت الاستراتيجيات الإقليمية التي اعتمدتها إيران طوال السنوات الماضية قادرة على تحقيق الأهداف نفسها ؟ أم أن الظروف الجديدة تفرض مراجعات مختلفة تتناسب مع واقع إقليمى جديد يبحث عن التهدئة أكثر مما يبحث عن الصدام ؟
لقد أدت استراتيجية “ الدفاع المتقدم ” دورها في مرحلة معينة ، وحققت أهدافاً محددة في ظروف استثنائية ، لكن السياسة الناجحة هى التى تعرف متى تطور أدواتها ومتى تنتقل من مرحلة إلى أخرى . فالدول لا تعيش على أمجاد الماضى ، وإنما تبنى مستقبلها على قدرتها على التكيف مع المتغيرات .
ولهذا فإن التحدى الحقيقى أمام إيران لن يكون إعادة إعمار ما دمرته الحرب ، بل إعادة صياغة رؤيتها للمستقبل ؛ مستقبل يقوم على اقتصاد أكثر قوة ، ومؤسسات أكثر كفاءة ، ونظام سياسى أكثر قدرة على استيعاب التنوع المجتمعى وعلاقات إقليمية أكثر اتزاناً وانفتاحاً .
قد لا يكون هذا الطريق هو الأقرب إلى حسابات السلطة أو الأكثر سهولة من الناحية السياسية ، لكنه بلا شك الطريق الأكثر أمناً واستدامة . فالإصلاح المتدرج ليس تنازلاً عن القوة ، بل هو أحد أهم مصادرها ، والدول التى تنجح فى تجديد نفسها من الداخل تكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية مهما بلغت شدتها .
وهكذا ، بينما تخفت أصوات المدافع وتتراجع ألسنة اللهب ، يبقى السؤال معلقاً فوق المشهد الإيرانى كله هل تعتبر طهران أن ما تحقق هو نهاية معركة ، أم بداية مرحلة جديدة تفرض عليها أن تنتصر في الداخل كما سعت إلى الانتصار فى الخارج ؟
الإجابة عن هذا السؤال هى التي سترسم ملامح إيران فى السنوات القادمة ، وربما ترسم أيضاً ملامح الشرق الأوسط كله .



