اتفاق سلام أو بداية مرحلة أخطر.. كيف يمكن لنهاية حرب أوكرانيا أن تعيد رسم خريطة القوة؟
اتفاق سلام أو بداية مرحلة أخطر..وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، فإن أي اتفاق محتمل لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية قد لا يكون مجرد خطوة لوقف القتال،
بل يمكن أن يصبح نقطة تحول كبرى في شكل النظام الأمني والسياسي في أوروبا والعالم.
ويشير التقرير إلى أن تسوية النزاع تحت ضغوط أمريكية قد تحمل مخاطر كبيرة إذا تضمنت الاعتراف بتغييرات حدودية فرضتها روسيا بالقوة،
وهو ما قد يمنح موسكو مكاسب استراتيجية ويعيد إحياء مخاوف عودة منطق مناطق النفوذ الكبرى.
وبينما تبدو فرص توسع العمليات العسكرية الروسية غربًا محدودة،
فإن التهديدات غير التقليدية مثل الهجمات الإلكترونية وعمليات التخريب والاغتيالات العابرة للحدود قد تتزايد،
خاصة إذا شعرت موسكو بأن النظام الدولي أصبح أكثر تساهلًا مع تغيير الحدود بالقوة.
ويرى محللون أن مستقبل الأمن الأوروبي سيتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة أي اتفاق يتم التوصل إليه،
وما إذا كان سيحافظ على مبدأ سيادة الدول أم سيخلق سابقة جديدة تسمح للقوى الكبرى بفرض إرادتها على الدول الأصغر.
نهاية الحرب الأوكرانية قد تحدد مستقبل أوروبا
يشير التقرير إلى أن انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية لن يكون مجرد تسوية عسكرية بين طرفين،
بل سيؤثر بشكل مباشر على مستقبل الأمن الأوروبي لعقود مقبلة،
خاصة في ظل المخاوف من أن تؤدي بعض بنود الاتفاق إلى تعزيز نفوذ موسكو.
ويحذر التقرير من أن اتفاقًا يمنح روسيا مكاسب سياسية وقانونية نتيجة استخدام القوة قد يشجع على تكرار هذا النموذج في مناطق أخرى، ويضعف القواعد التي استقرت بعد نهاية الحرب الباردة بشأن احترام الحدود وعدم تغييرها بالقوة.
وفي المقابل، فإن أي تسوية تحافظ على عدم الاعتراف الرسمي بضم الأراضي الأوكرانية قد تترك الباب مفتوحًا أمام حلول مستقبلية، حتى لو بقيت بعض المناطق تحت السيطرة الروسية لفترة طويلة.
معركة الاعتراف بالأراضي المحتلة تشعل الجدل
تعد قضية شبه جزيرة القرم والمناطق الأوكرانية الأخرى التي تسيطر عليها روسيا من أكثر الملفات تعقيدًا في أي مفاوضات سلام محتملة، إذ يرى التقرير أن طريقة التعامل معها ستكون ذات تأثير يتجاوز حدود أوكرانيا.
ويشير التحليل إلى أن هناك فرقًا كبيرًا بين الاعتراف القانوني بضم الأراضي الروسية للمناطق المحتلة وبين مجرد التعامل مع الوضع القائم على الأرض كأمر واقع مؤقت.
ويرى خبراء أن منح اعتراف رسمي بهذه التغييرات قد يضعف مبدأ حماية الحدود في أوروبا،
بينما يمكن أن يسمح نموذج آخر بالإبقاء على موقف قانوني يرفض الضم، مع استمرار البحث عن حلول سياسية مستقبلية.
مستقبل حلف شمال الأطلسي أمام اختبار صعب
يركز التقرير على أن أي اتفاق ينهي الحرب بطريقة تمنح موسكو مكاسب استراتيجية قد يثير تساؤلات حول قوة الردع التي يوفرها حلف شمال الأطلسي، خاصة في دول أوروبا الشرقية القريبة من روسيا.
ويشير إلى أن المادة الخامسة من اتفاقية الحلف، التي تنص على اعتبار الهجوم على عضو واحد هجومًا على الجميع،
تعتمد بشكل كبير على مصداقية الالتزام السياسي والعسكري للدول الأعضاء.
وفي حال شعرت روسيا بأن الرد الغربي أصبح محدودًا، فقد تتزايد عمليات الضغط غير المباشر مثل الهجمات الإلكترونية والتخريب واستهداف البنية التحتية، ما يرفع احتمالات وقوع أزمات جديدة بين موسكو والدول الأوروبية.
روسيا والصين والنظام العالمي الجديد
يرى التقرير أن الحرب الأوكرانية أصبحت جزءًا من صراع أوسع حول شكل النظام العالمي،
خاصة مع استمرار التقارب بين روسيا والصين في مواجهة النفوذ الغربي.
ويشير إلى أن أي تسوية تمنح موسكو مكاسب نتيجة استخدام القوة قد تُفسر باعتبارها تغييرًا في قواعد اللعبة الدولية،
وهو ما قد يشجع قوى أخرى على اتباع سياسات أكثر حدة تجاه مناطق متنازع عليها.
كما يلفت التحليل إلى أن مستقبل العلاقات بين القوى الكبرى قد يتجه نحو عالم أكثر اعتمادًا على مناطق النفوذ،
حيث تسعى كل قوة إلى تعزيز سيطرتها داخل محيطها الجغرافي بدلًا من الالتزام الكامل بقواعد النظام الدولي التقليدي.
كلمات قليلة في اتفاق السلام قد ترسم مستقبل العالم
يشدد التقرير على أن صياغة أي اتفاق لإنهاء الحرب الأوكرانية ستكون عاملاً حاسمًا في تحديد اتجاهات السياسة الدولية خلال السنوات المقبلة.
فبينما قد يساهم اتفاق متوازن في وقف نزيف الحرب وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار،
فإن اتفاقًا يتضمن اعترافًا بتغيير الحدود بالقوة قد يحمل تداعيات طويلة المدى على أوروبا والنظام العالمي.
ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان العالم يتجه نحو تعزيز قواعد القانون الدولي،
أم نحو عودة عصر الصفقات بين القوى الكبرى على حساب الدول الأصغر.
التحليل: ماذا يعني هذا الحدث؟
يمثل مستقبل التسوية الأوكرانية اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الأمن الأوروبي بعد الحرب الباردة، إذ إن طريقة إنهاء النزاع ستحدد ما إذا كانت الحدود الدولية ستظل محمية من التغيير بالقوة أم ستصبح قابلة لإعادة الرسم تحت ضغط النفوذ العسكري.
على مستوى أوروبا، قد يؤدي أي ضعف في الردع إلى زيادة مخاوف دول الجناح الشرقي،
ودفعها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل أكبر.
أما عالميًا، فإن طريقة التعامل مع الملف الأوكراني قد تؤثر على أزمات أخرى،
حيث تراقب قوى دولية مختلفة مدى قدرة النظام العالمي الحالي على منع فرض الأمر الواقع بالقوة.
وخلال الفترة المقبلة، ستتركز السيناريوهات المحتملة حول ثلاثة اتجاهات رئيسية: اتفاق سياسي يحافظ على الموقف القانوني لأوكرانيا، أو هدنة طويلة دون حل نهائي، أو تسوية تمنح روسيا مكاسب واسعة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوترات الدولية.



