فنزويلا تتخلى عن نيكولاس مادورو لمصيره في سجن أمريكي
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز كشفت المفاوضات الأخيرة بين الحكومة الفنزويلية والمعارضة عن تحول سياسي لافت، بعدماغاب اسم
الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو تمامًا عن طاولة الحوار، رغم أن السلطات كانت قد تعهدت في وقت سابق بالعمل على إطلاق سراحه عقب احتجازه في الولايات المتحدة.

ويعد هذا الموقف أوضح مؤشر حتى الآن على تغير أولويات السلطة الجديدة في كاراكاس، التي باتت تركز على تثبيت أركان حكمها وإدارة الملفات الاقتصادية والسياسية، بدلاً من
جعل قضية مادورو محورًا للمفاوضات مع المعارضة. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تحسين
علاقاتها الخارجية وجذب الاستثمارات، بالتوازي مع محاولات معالجة تداعيات
الأزمة الاقتصادية والكوارث الطبيعية التي شهدتها البلاد مؤخرًا.
ويرى مراقبون أن تجاهل ملف مادورو خلال جولات التفاوض يعكس تحولًا استراتيجيًا في المشهد
السياسي الفنزويلي، ويثير تساؤلات حول مستقبل الرئيس السابق ودور التيار الموالي له في المرحلة المقبلة.
مفاوضات بلا ذكر لمادورو
استمرت جولات الحوار بين الحكومة الفنزويلية والمعارضة قرابة أسبوعين، واختتمت الأسبوع الماضي
دون أن يتضمن جدول الأعمال أي مطالب تتعلق بالإفراج عن نيكولاس مادورو أو زوجته
رغم أن هذا الملف كان حاضرًا بقوة في الخطاب الرسمي عقب اعتقاله.
وأكدت مصادر حضرت جلسات التفاوض أن ممثلي الحكومة لم يطرحوا القضية مطلقًا، وهو ما
فاجأ وفد المعارضة، خاصة في ظل التصريحات السابقة التي وصفت احتجاز مادورو بأنه اعتداء على سيادة فنزويلا.
ويشير هذا التطور إلى أن الحكومة الجديدة أصبحت تتعامل مع الملف باعتباره خارج أولوياتها السياسية الحالية، في مقابل التركيز على قضايا داخلية أكثر إلحاحًا.
أولويات الحكومة تتغير
ركزت المفاوضات بصورة رئيسية على ملفات إعادة الإعمار بعد الزلزال الذي ضرب البلاد، إضافة إلى
مناقشة آليات استعادة احتياطيات الذهب الفنزويلية الموجودة في خزائن بنك إنجلترا، والتي تقدر قيمتها بنحو أربعة مليارات دولار.
كما اتفق الطرفان على بدء خطوات لإصلاح المنظومة القضائية، وأعلنت الحكومة الإفراج عن
عدد من السجناء السياسيين في حين أكدت منظمات حقوقية أنها تمكنت من
التحقق من إطلاق سراح عشرات منهم فقط.
ويعكس هذا التركيز توجه الحكومة نحو معالجة القضايا الاقتصادية والمؤسساتية، بدلاً من الدخول في صدام سياسي حول قضية مادورو.
السلطة الجديدة تبحث عن البقاء
بحسب محللين، فإن القيادة الحالية تعتبر أن مستقبل مادورو أصبح مرتبطًا بالقضاء الأمريكي، وأن الأولوية الآن هي ضمان استقرار السلطة والحفاظ على مؤسسات الدولة.
وأشار التقرير إلى أن القيادة الجديدة كانت قد طالبت في البداية بالإفراج عن مادورو
لكنها خففت تدريجيًا من لهجتها بعد إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.
كما شهدت الأشهر الأخيرة تغييرات داخل هياكل الحكم، إلى جانب مؤشرات على
انفتاح بعض المسؤولين البارزين على تحسين العلاقات مع واشنطن، وهو ما يعكس تحولًا في الاستراتيجية السياسية للحكومة.
اختفاء رموز مادورو من المشهد
رصد التقرير تراجعًا ملحوظًا في حضور نيكولاس مادورو داخل المشهد العام، بعدما
أزيلت العديد من اللافتات والجداريات التي كانت تطالب بالإفراج عنه، ولم يتبق سوى عدد محدود من الصور الكبيرة في العاصمة كاراكاس.
كما أصبحت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز نادرًا ما تشير إلى مادورو في خطاباتها الرسمية
وهو تغير واضح مقارنة بالمواقف التي كانت تتبناها في بداية الأزمة.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يهدف إلى ترسيخ صورة قيادة جديدة تسعى إلى إدارة الدولة بعيدًا عن الإرث السياسي للرئيس السابق.
انقسام داخل الموالاة والمعارضة
رغم التغير في موقف الحكومة، لا يزال مادورو يحظى بتأييد قطاع من أنصار التيار التشافيزي، الذين يعتبرون أن
اعتقاله جاء نتيجة خيانة من داخل دائرته المقربة، ويرفضون أي تسوية سياسية لا تتضمن المطالبة بالإفراج عنه.
وفي المقابل، تواجه المفاوضات انتقادات من جانب المعارضة أيضًا، بسبب
استبعاد بعض الشخصيات السياسية البارزة من الحوار، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة العملية التفاوضية على تحقيق توافق وطني واسع.
ويؤكد ذلك أن الانقسامات لا تقتصر على معسكر السلطة، بل تمتد أيضًا إلى صفوف القوى المعارضة.
تحليل: ماذا يعني تجاهل ملف مادورو؟
يشير استبعاد قضية مادورو من المفاوضات إلى تحول واضح في أولويات القيادة الفنزويلية، التي تبدو أكثر
اهتمامًا بالحفاظ على الاستقرار السياسي وإعادة تنشيط الاقتصاد واستعادة العلاقات الدولية.
كما قد يسهم هذا النهج في فتح المجال أمام تفاهمات أوسع مع الولايات المتحدة وبعض القوى الدولية، خاصة في
ملفات الطاقة والاستثمار، لكنه في الوقت نفسه قد يثير استياء القاعدة التقليدية المؤيدة لمادورو.
وخلال الفترة المقبلة، ستتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الحكومة ستواصل
الابتعاد عن إرث الرئيس السابق، أم أن أي تطورات سياسية أو قضائية جديدة
ستعيد قضيته إلى صدارة المشهد، خصوصًا مع استمرار المفاوضات الداخلية والضغوط الدولية على فنزويلا.



