تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية.. هجمات تتمدد إلى مناطق السلطة الفلسطينية
تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية..وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، شهدت اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في منطقتي «أ» و«ب» من الضفة الغربية ارتفاعًا حادًا منذ عام 2025،
في تطور يشير إلى انتقال جانب متزايد من أعمال العنف والضغط من المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية المباشرة
إلى مناطق تقع ضمن نطاق الإدارة الفلسطينية وفق ترتيبات اتفاقات أوسلو.
ويستند التقرير إلى بيانات منظمة «يش دين» الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان،
والتي تشير إلى أن قرابة ثلثي حوادث عنف المستوطنين المسجلة خلال عام 2026 وقعت حتى الآن في المنطقتين «أ» و«ب».
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن المنطقتين تضمان غالبية الحياة اليومية والتجمعات السكانية الفلسطينية،
بينما كان من المفترض أن تشكلا جزءًا من الهيكل الإداري لدولة فلسطينية مستقبلية.
وتشير المعطيات إلى تغير في نمط انتشار العنف داخل الضفة الغربية، بالتزامن مع توسع إنشاء البؤر الاستيطانية في مناطق جديدة، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الوجود الفلسطيني وطبيعة السيطرة على الأراضي.
ارتفاع الهجمات في المنطقة «ب»
تظهر بيانات التقرير أن نسبة حوادث العنف التي وقعت في المنطقة «ب» بلغت نحو 55% من إجمالي الحوادث المسجلة خلال العام الجاري، مقارنة بنحو 25% خلال العام الماضي، وهو ارتفاع يعكس تغيرًا واضحًا في خريطة الاعتداءات.
وفي المقابل، تراجعت نسبة الحوادث المسجلة في المنطقة «ج» من نحو 67% خلال الفترة المقارنة من العام الماضي إلى 37% هذا العام، وفق تحليل منظمة «يش دين».
ولا يعني هذا التراجع بالضرورة انخفاض مستوى العنف في المنطقة «ج»،
وإنما يشير إلى انتقال نسبة أكبر من الحوادث إلى المنطقتين «أ» و«ب»،
وهو ما تعتبره المنظمة تحولًا استراتيجيًا في طبيعة الضغط الواقع على التجمعات الفلسطينية.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن المنطقة «ب» تضم تجمعات ريفية فلسطينية،
بينما تشمل المنطقة «أ» المدن الفلسطينية الرئيسية، ما يجعل توسع الاعتداءات فيهما أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للسكان.

البؤر الاستيطانية تمتد إلى مناطق جديدة
يشير التقرير إلى أن حركة الاستيطان وسعت منذ عام 2024 جهودها لإنشاء بؤر زراعية جديدة في المنطقتين «أ» و«ب»،
مع تصريحات من قادة مستوطنين تفيد بأن الهدف هو تثبيت وجودهم في مواقع فلسطينية يعتبرونها ذات أهمية استراتيجية.
وبحسب التقرير، فإن خريطة نُشرت خلال الصيف في مجموعة على تطبيق واتساب تابعة لمؤسسة هيلتوب،
وهي منظمة تقدم معدات ودعمًا وتمويلًا لإنشاء البؤر الاستيطانية، أظهرت وجود 16 بؤرة بين مدينتي رام الله ونابلس وحدهما.
وربطت المؤسسة هذه الخريطة بما وصفته بأنه «ثورة استيطانية» جارية في مناطق اتفاقات أوسلو، مع تأكيد استمرار دعم إنشاء البؤر في المنطقة «ب».
وترى منظمة «يش دين» أن العدد المتزايد من البؤر التي أُنشئت رغم مخالفتها للقانون الإسرائيلي يشير إلى عدم وجود معالجة فعالة لهذه الظاهرة، ويعكس، بحسب تقييمها، تقاطعًا بين أهداف المستوطنين المعلنة وبعض السياسات الحكومية.

اتفاقات أوسلو أمام اختبار جديد
تقسم ترتيبات اتفاقات أوسلو الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق إدارية،
إذ تمثل المنطقة «أ» نحو 18% من مساحة الضفة وتشمل المدن الفلسطينية الرئيسية،
بينما تمثل المنطقة «ب» نحو 22% وتضم مناطق سكنية فلسطينية ريفية.
أما المنطقة «ج» فتشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وكانت إسرائيل قد تولت فيها المسؤولية المدنية والأمنية بصورة مؤقتة إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن إقامة دولة فلسطينية.
ويرى التقرير أن هذا الترتيب استُخدم على مدى سنوات في توسيع النشاط الاستيطاني،
إذ تقع المستوطنات الإسرائيلية المعتمدة حكوميًا، والتي يعتبرها القانون الدولي غير قانونية،
داخل المنطقة «ج»، إلى جانب الطرق الرئيسية ومحاور الحركة في الضفة الغربية.
وتزداد حساسية الوضع مع تصريحات وزيري الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش المؤيدة لإلغاء ترتيبات أوسلو، والحديث عن توسيع السيطرة على المنطقة «ب»،
الأمر الذي يثير مخاوف بشأن مستقبل التقسيم الإداري للضفة الغربية.
تصاعد القلق الدولي والعقوبات على المستوطنين
أدى تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية إلى زيادة الضغوط الدولية،
حيث فرضت الولايات المتحدة ودول أوروبية عقوبات على مستوطنين وشخصيات مؤيدة للاستيطان،
من بينهم بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي.
وأعلنت فرنسا مؤخرًا عقوبات بحقه، وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن ما يحدث في الضفة الغربية أمر بالغ الخطورة ومثير للاشمئزاز، في تعبير عن ارتفاع مستوى الانتقادات الأوروبية تجاه التطورات الميدانية.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية،
توفي 18 فلسطينيًا حتى 20 يوليو في حوادث مرتبطة بهجمات نفذها مستوطنون،
بينهم 12 قُتلوا على يد مستوطنين وثلاثة على يد القوات الإسرائيلية، بينما ظلت مسؤولية الوفيات الثلاث الأخرى موضع خلاف.
كما سجلت الوكالة الأممية نحو 190 هجومًا شهريًا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026،
ما يضع الضفة الغربية على مسار قد يتجاوز ألفي هجوم خلال العام بأكمله إذا استمر المعدل نفسه.
ماذا يعني التصعيد؟
تكشف هذه التطورات عن تحول في طبيعة الضغط الذي تواجهه التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية،
إذ تشير البيانات إلى أن الاعتداءات لم تعد تتركز بصورة أساسية في المنطقة «ج»،
وإنما باتت تمتد بصورة أكبر إلى مناطق تضم المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسية.
وتعتبر منظمة «يش دين» أن هذا التحول، إلى جانب إنشاء البؤر الاستيطانية، يدفع الفلسطينيين نحو مراكز البلدات والقرى ويقلص وجودهم في المناطق المحيطة، بينما ترى أن ذلك يخدم توجهًا نحو توسيع السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية مع تقليل الوجود الفلسطيني فيها.
ويشكل هذا التقييم موقفًا صادرًا عن منظمة حقوقية إسرائيلية، وليس حقيقة مستقلة محسومة، لكنه يسلط الضوء على المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل الضفة الغربية وإمكانية تقويض أي ترتيبات سياسية تستند إلى تقسيم المناطق.
ما السيناريوهات المقبلة؟
السيناريو الأول، فيتمثل في تصاعد الضغوط الدولية والعقوبات بهدف الحد من توسع البؤر الاستيطانية واحتواء عنف المستوطنين.
والسيناريو الثاني يتمثل في استمرار التوسع داخل المنطقتين «أ» و«ب»، بما قد يزيد الاحتكاكات ويعمق الضغوط على السلطة الفلسطينية والسكان المحليين.
ويبقى السيناريو الأكثر تأثيرًا على مستقبل القضية الفلسطينية مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على منع تحول التغييرات الميدانية إلى واقع دائم،
خصوصًا إذا استمر انتقال النشاط الاستيطاني والعنف إلى مناطق يفترض أن تكون ضمن نطاق الإدارة الفلسطينية.
اقرأ أيضاً
رئيس الأمن القومي الإيراني وجّه تهديدًا جديدًا..طهران تحذر من استهداف المصالح الاقتصادية



