فاتورة مضيق هرمز تخنق حلفاء واشنطن.. أوروبا وآسيا والخليج يدفعون ثمن أزمة الطاقة
فاتورة مضيق هرمز تخنق حلفاء واشنطن..وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «ذا كرايدل»، تتزايد التداعيات الاقتصادية لأزمة مضيق هرمز مع امتداد آثار تعطّل حركة الطاقة والتجارة إلى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا ومنطقة الخليج،
في وقت تواجه فيه اقتصادات كبرى ارتفاعًا في تكاليف النفط والغاز والنقل والتأمين،
إلى جانب ضغوط جديدة على التضخم والنمو.
ويشير التقرير إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في الدول القريبة من منطقة الخليج،
بل تحولت إلى صدمة واسعة تمتد آثارها إلى المصانع والمزارع والأسر في مناطق بعيدة تعتمد على تدفقات الطاقة القادمة عبر الممر البحري الحيوي.
ومع استمرار حالة عدم اليقين، تجد حكومات عديدة نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين دعم المستهلكين والشركات،
والحفاظ على الانضباط المالي، وتأمين مصادر بديلة للطاقة،
بينما تفرض الأزمة في الوقت نفسه تساؤلات أوسع بشأن مستقبل النظام الاقتصادي العالمي ومدى قدرة التحالفات القائمة على حماية مصالح أعضائها في أوقات الأزمات الكبرى.
أوروبا أمام فاتورة جديدة من أزمات الطاقة
أدى اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى زيادة تكاليف الطاقة في أوروبا، ما انعكس على توقعات النمو الاقتصادي ورفع الضغوط على القطاعات الصناعية والنقل والاستهلاك،
خصوصًا أن القارة كانت لا تزال تتعامل مع تداعيات اضطرابات الطاقة والإنفاق العام المرتبط بالحرب في أوكرانيا.
وتشير التوقعات الأوروبية إلى خفض معدل نمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي خلال عام 2026 إلى 1.1%،
مقابل توقع سابق عند 1.4%، بينما جرى خفض توقع نمو منطقة اليورو إلى 0.9% مقارنة بـ1.2% سابقًا،
في وقت تواصل فيه أسعار الطاقة الضغط على جهود السيطرة على التضخم.
ولا تتوقف التداعيات عند أسعار الوقود، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع تكلفة النفط والغاز إلى زيادة نفقات الإنتاج والشحن،
بما ينعكس في النهاية على أسعار السلع التي يدفعها المستهلكون،
وهو ما يجعل أزمة مضيق هرمز عاملًا إضافيًا يضغط على القوة الشرائية وثقة المستهلكين.
ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تحت ضغط متزايد
تواجه ألمانيا، باعتبارها أكبر اقتصاد أوروبي، ضغوطًا إضافية على قطاعات الصناعات الكيميائية والسيارات والصناعات الثقيلة،
حيث تمثل الطاقة والمواد الخام المرتبطة بها مكونات أساسية في عمليات الإنتاج،
بينما يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال إلى زيادة تكاليف المدخلات الصناعية.
أما فرنسا فتتمتع بهامش حماية نسبي بسبب اعتمادها الكبير على الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء،
لكن قطاع النقل والأسر لا يزالان عرضة لارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الشحن،
وهو ما قد ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات.
وتواجه إيطاليا معضلة مختلفة، إذ يأتي دعم الأسر والشركات في وقت تعاني فيه المالية العامة من أعباء كبيرة،
بينما يؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى تضييق مساحة المناورة أمام الحكومة،
ما يجعل أزمة الطاقة اختبارًا إضافيًا لقدرة الحكومات الأوروبية على تحقيق التوازن بين حماية المواطنين والانضباط المالي.
بريطانيا تواجه معادلة التضخم والنمو
تواجه بريطانيا بدورها تأثيرات مزدوجة ناتجة عن الطاقة والتجارة،
ورغم اعتمادها على جزء مهم من إنتاج النفط والغاز المحلي وعلى واردات من النرويج،
فإن أسعار الطاقة المحلية تظل مرتبطة بدرجة كبيرة بحركة الأسعار العالمية،
وبالتالي فإن تغيير مصدر الإمدادات لا يعني بالضرورة التخلص من آثار ارتفاع الأسعار.
وارتفع التضخم السنوي في بريطانيا إلى 2.9% خلال يوليو، مقارنة بـ2.6% في يونيو،
فيما حذّر بنك إنجلترا من استمرار انتقال آثار ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم،
وهو ما يزيد صعوبة اتخاذ قرارات نقدية مريحة للاقتصاد.
كما يظل قطاع الطيران معرضًا للضغوط نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود واحتمالات اضطراب الإمدادات،
بينما تزيد المسافات البحرية الأطول بين آسيا وأوروبا من تكاليف الشحن عندما تضطر السفن إلى تغيير مساراتها،
ما يضيف عبئًا جديدًا على الاقتصاد البريطاني.
آسيا تتحمل الصدمة الأكبر في إمدادات الطاقة
تبدو تداعيات أزمة مضيق هرمز أكثر مباشرة في آسيا، إذ ذهبت نسبة كبيرة من النفط الخام والمكثفات والغاز الطبيعي المسال التي مرت عبر المضيق خلال عام 2024 إلى الأسواق الآسيوية،
ما يجعل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أبرز الاقتصادات المتأثرة بأي اضطراب طويل الأمد.
وتختلف قدرة هذه الدول على مواجهة الأزمة بحسب حجم احتياطياتها ومصادر الطاقة المحلية وقدرتها على تأمين شحنات بديلة، لكن ارتفاع أسعار البدائل وتكاليف النقل والتأمين يمكن أن يحول دون تعويض الإمدادات المفقودة بصورة كاملة.
وتكشف الأزمة أن الاعتماد على الطاقة لا يرتبط فقط بحجم الواردات،
وإنما أيضًا بقدرة الدولة على نقل الإمدادات البديلة إلى الأسواق والمصانع والمستهلكين،
وهو عامل يجعل اضطراب مضيق هرمز قضية اقتصادية تتجاوز سوق النفط إلى التجارة والصناعة والغذاء.
الهند تدفع ثمنًا إضافيًا من الوقود والأسمدة
تواجه الهند ضغوطًا متزايدة نتيجة اعتمادها على واردات الغاز المسال المستخدم في قطاعات متعددة،
إلى جانب تعرضها لتقلبات أسعار النفط والمواد المرتبطة بالطاقة، وهو ما يرفع تكاليف النقل والصناعة والاستهلاك المنزلي.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، بلغت فاتورة واردات الغاز البترولي المسال في الهند خلال الفترة من مارس إلى أغسطس نحو 4.7 مليار دولار، منها نحو 1.1 مليار دولار تمثل تكاليف إضافية مرتبطة بالأزمة،
بينما تراجعت الواردات في مارس بنسبة 49% مقارنة بمتوسط الشهر نفسه خلال العامين السابقين.
ولا يقتصر الضغط على الوقود، إذ توقعت تقديرات البنك الدولي ارتفاع أسعار اليوريا بنسبة 60% خلال عام 2026،
ما يفرض عبئًا إضافيًا على المزارعين والحكومة،
خصوصًا مع حاجة نيودلهي إلى استخدام الدعم لتخفيف تأثير ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج الزراعي.
اليابان وكوريا الجنوبية تواجهان اختبارًا صناعيًا صعبًا
تعتمد اليابان بدرجة كبيرة على النفط القادم عبر مضيق هرمز،
ما يجعل اضطراب الملاحة تحديًا مباشرًا أمام اقتصاد يعتمد على استيراد معظم احتياجاته من الطاقة،
في وقت تتعامل فيه البلاد أصلًا مع تحديات سكانية ومالية واقتصادية طويلة الأمد.
أما كوريا الجنوبية، التي تعتمد على واردات كبيرة من النفط والغاز من غرب آسيا،
فتواجه خطر ارتفاع تكاليف الصناعات الكيميائية والبتروكيماويات،
خاصة مع تأثر إمدادات المواد الخام المستخدمة في صناعة السيارات والإلكترونيات والتغليف والبناء.
وتحاول الحكومتان البحث عن مصادر بديلة وتعزيز المخزونات والإمدادات،
لكن بناء طرق جديدة للطاقة وتنويع الموردين يحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة،
ما يعني أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يحول الصدمة المؤقتة إلى تغير هيكلي في سياسات الطاقة الآسيوية.
الخليج يدفع ثمن الاضطراب رغم امتلاكه موارد الطاقة
تواجه دول الخليج تداعيات مباشرة نتيجة اضطراب الملاحة والأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة والبنية التحتية،
رغم امتلاك بعضها احتياطيات وإمكانات مالية كبيرة تمكنها من امتصاص جزء من الصدمة.
وتبدو قطر من أكثر الدول تعرضًا للضغط بسبب اعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على صادرات الغاز الطبيعي المسال،
بينما تواجه الكويت حساسية خاصة نتيجة محدودية خيارات تصدير الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز،
في حين تواجه البحرين تحديات إضافية بسبب ارتفاع أعباء الدين وتكاليف التمويل.
في المقابل، تمتلك السعودية والإمارات مسارات بديلة محدودة تسمح بتصدير جزء من الطاقة بعيدًا عن المضيق،
لكن هذه البدائل لا تعني التخلص الكامل من التداعيات،
خصوصًا أن القطاعات غير النفطية مثل الطيران والسياحة والخدمات والعقارات والنقل تتأثر أيضًا باضطراب المنطقة.
السعودية والإمارات تحاولان تقليص الخسائر
تمتلك السعودية خط أنابيب شرق ـ غرب الذي يسمح بنقل جزء من النفط إلى موانئ على البحر الأحمر،
بينما تمتلك الإمارات خط أنابيب من حبشان إلى الفجيرة، ما يوفر مسارًا بديلًا لبعض الصادرات بعيدًا عن مضيق هرمز.
ومع ذلك، لا تستطيع هذه المسارات استبدال جميع التدفقات التي تمر عبر المضيق،
كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يعوض جزءًا من انخفاض الكميات المصدرة،
لكنه لا يلغي الخسائر التي تصيب القطاعات الأخرى المرتبطة بحركة التجارة والاستثمار.
وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى انكماش النشاط النفطي السعودي بنسبة 24.7% خلال الربع الثاني،
بالتزامن مع انكماش الناتج المحلي بنسبة 4.8% على أساس سنوي،
بينما تعرضت دبي لضغوط على سوق العقارات والأسهم نتيجة تداعيات الأزمة واضطراب حركة الطيران والتجارة.
فاتورة الأزمة تصل إلى الأسر والبنية التحتية
لا تقتصر آثار الأزمة على الحكومات والشركات،
إذ يمكن أن تصل إلى المستهلكين من خلال ارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والطاقة والخدمات،
خصوصًا في الدول التي تعتمد على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها الأساسية.
وتبرز أزمة تحلية المياه باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية في الخليج،
حيث تعتمد دول المنطقة بدرجة كبيرة على منشآت كثيفة الاستهلاك للطاقة لتوفير المياه،
ما يجعل أي أضرار تطال منشآت التحلية أو شبكات الكهرباء خطرًا يتجاوز الأضرار الاقتصادية إلى الخدمات الأساسية.
ويقدر التقرير أن تكاليف إصلاح الأضرار في إيران ودول الخليج قد تتراوح بين 34 و58 مليار دولار،
وهي فاتورة تشمل منشآت الطاقة والمصانع ومحطات الكهرباء ومنشآت تحلية المياه،
ما يعني أن آثار الأزمة قد تستمر حتى بعد عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية.
ماذا يعني ذلك للتحالفات الدولية؟
تكشف أزمة مضيق هرمز، وفق التحليل الذي يطرحه التقرير،
أن الحماية الأمنية لا تمنع بالضرورة انتقال التكلفة الاقتصادية للصراعات إلى الدول الحليفة،
خصوصًا عندما تكون اقتصاداتها مرتبطة بممرات تجارية وطاقة معرضة للاضطراب.
وقد يدفع ذلك بعض الدول إلى إعادة النظر في استراتيجيات أمن الطاقة، وزيادة المخزونات، وتنويع الموردين،
وتطوير خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات البحرية البديلة، بدل الاعتماد على مسار واحد مهما كانت أهميته.
كما أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي،
إذ تجد الدول نفسها مضطرة في الوقت ذاته إلى تمويل الدفاع، ودعم الأسر والشركات،
وإصلاح البنية التحتية، والاستثمار في بدائل الطاقة، وهو ما قد يضغط على الإنفاق المخصص للتنمية والخدمات العامة.
السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة المقبلة
السيناريو الأول يتمثل في عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تدريجيًا،
وهو ما قد يخفف الضغوط على أسعار الطاقة والتأمين والشحن،
لكنه لن يلغي فورًا آثار ارتفاع التكاليف أو الخسائر التي تكبدتها الشركات والحكومات خلال فترة الأزمة.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الاضطراب لفترة أطول، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الطاقة عالميًا،
وارتفاع الضغوط التضخمية، وتراجع معدلات النمو، مع انتقال جزء أكبر من التكلفة إلى المستهلكين والميزانيات الحكومية.
ويبقى السيناريو الثالث هو تحول الأزمة إلى نقطة انطلاق لإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية،
عبر تسريع بناء خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، وتنويع مصادر الاستيراد، وزيادة المخزونات،
وتقليل الاعتماد على ممرات بحرية محددة، وهو تغير قد يستمر تأثيره لسنوات حتى بعد انتهاء الأزمة.
وفي جميع الحالات، فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر ملاحي استراتيجي،
بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصادات الكبرى على التعامل مع صدمات الطاقة وسلاسل الإمداد،
كما أن استمرار الأزمة أو تكرارها قد يدفع دولًا عديدة إلى إعادة تقييم حساباتها الاقتصادية والأمنية،
بما قد يترك أثرًا طويل الأمد على خريطة التجارة والطاقة والتحالفات الدولية.
اقرأ أيضاً
الجيش الأمريكي يوقّع عقدًا بقيمة 712.5 مليون دولار لتوريد صمامات مدفعية



