من هم المسيحيون الأردنيون وما تاريخهم العريق؟
أعاد الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة الروم الأرثوذكس في محافظة الكرك الأضواء إلى المسيحيين الأردنيين. يمتد وجودهم في المنطقة إلى قرون طويلة سبقت تأسيس الدولة الأردنية الحديثة بكثير. تشير تقديرات وزارة السياحة والآثار إلى أن نسبتهم تتراوح بين اثنين إلى ثلاثة في المئة من إجمالي السكان. بينما يقدّر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2023 هذه النسبة بنحو واحد وعشرين من مئة بالمئة. ينحدر كثير منهم من قبائل عربية أصيلة استوطنت بلاد الشام منذ العصور القديمة. حافظت هذه الجماعات على تقاليدها العريقة ومؤسساتها الدينية عبر مختلف العصور المتعاقبة. كما تضم البلاد طوائف متنوعة تعيش بانسجام تام مع بقية أطياف المجتمع الأردني منذ تأسيس الإمارة وحتى يومنا هذا.
جذور تاريخية تعود للقرون الأولى للميلاد
يعود الوجود المسيحي في الأراضي الأردنية إلى القرون المسيحية الأولى تحت الحكمين الروماني والبيزنطي. وازدهرت الديانة المسيحية بشكل ملحوظ بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين في عدة مناطق. وتدل بقايا الكنائس والأديرة واللوحات الفسيفسائية المكتشفة في مادبا والكرك على عمق هذا التاريخ العريق. لعبت قبائل عربية مسيحية مثل الغساسنة أدواراً سياسية وعسكرية هامة في تلك الحقبة الزمنية المبكرة. استمر هذا الوجود المزدهر بعد الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي دون انقطاع يذكر. وحافظت الجماعات المسيحية على هويتها الثقافية ومؤسساتها الدينية تحت راية الحكم الإسلامي المتعاقب. وتركزت تجمعاتهم خلال العهد العثماني في مدن عجلون والسلط والكرك ضمن شبكة علاقات اجتماعية متينة.

توزيع جغرافي واسع وأبرز العشائر المسيحية
تتركز التجمعات المسيحية اليوم في العاصمة عمّان ومحافظات مادبا والبلقاء والكرك وشمال المملكة. تُعد مادبا مدينة تاريخية بارزة تضم العديد من المعالم والمواقع الأثرية البيزنطية الهامة. وفي محافظة البلقاء، تحتضن مدينة السلط تجمعات عريقة، إضافة إلى بلدة الفحيص ذات الأغلبية المسيحية. بينما تضم محافظة الكرك عائلات وعشائر مسيحية معروفة مثل الهلسا والحجازين منذ قرون. وتتوزع التجمعات الأخرى في مناطق الحصن وإربد وعجلون وعنجرة والوهادنة والزرقاء والعقبة. تشكل هذه البقع الجغرافية المتنوعة لوحة فسيفسائية جميلة تعكس أصالة وتنوع النسيج الاجتماعي الأردني. ويشارك أبناء هذه الجماعات بفاعلية كبيرة في بناء وتطوير مؤسسات الدولة الحديثة.
تنوع الطوائف ودورها في بناء الدولة
تشكل كنيسة الروم الأرثوذكس أكبر الكنائس المسيحية في الأردن من حيث عدد الأتباع والمؤمنين. ترتبط هذه الكنيسة تاريخياً ببطريركية الروم الأرثوذكس في مدينة القدس الشريف. إلى جانب ذلك، توجد الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية التي أسست رعاياها شرقي نهر الأردن خلال القرن التاسع عشر. وشهدت البلاد وصول موجات لجوء وهجرة من دول متمثلة في فلسطين وسوريا والعراق وأرمينيا. انصهر الجميع في المجتمع الأردني مع الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية والدينية الغنية. تشير الوثائق التاريخية إلى أن نسبتهم بلغت نحو عشرة في المئة عام 1921. يعكس هذا الحضور الدائم جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية الشاملة والتاريخ المشترك في المملكة.
الخاتمة
يُمثل المسيحيون الأردنيون مكوناً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من نسيج الوطن وتاريخه الطويل. لقد أسهموا بفاعلية واضحة في نهضة البلاد وبناء مؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ورغم التحديات والأحداث المختلفة، حافظ المجتمع على استقرار فريد وروابط أخوة متينة تجمع كافة المواطنين. يعزز هذا التنوع التاريخي والجغرافي مكانة الأردن كنموذج للتعايش السلمي والتسامح الديني في المنطقة. يبقى الحفاظ على هذا الإرث الحضاري مسؤولية مشتركة تثري الهوية الوطنية الأردنية وتضمن استمراريتها للأجيال القادمة.



