استثمارات أبوظبي تهز مانشستر.. عقارات فاخرة وأسئلة محرجة تحاصر أندي بورنهام
كشفت تحقيقات صحفية عن توسع نفوذ الاستثمارات الإماراتية في مدينة مانشستر البريطانية خلال السنوات الماضية،استثمارات أبوظبي تهز مانشستر.. عقارات فاخرة وأسئلة محرجة تحاصر أندي بورنهام
وسط تساؤلات بشأن صفقات عقارية كبرى، وشروط الشراكة مع السلطات المحلية،
ومدى استفادة السكان من مشروعات التطوير التي غيرت ملامح مناطق واسعة من المدينة.

وأظهرت بيانات وتحليلات حديثة أن الأراضي والعقارات المملوكة للحكومة الإماراتية أو لمطورين
إماراتيين في مانشستر شهدت زيادة ملحوظة خلال العقد الماضي،
لتصل مساحتها في ذروتها عام 2023 إلى ما يعادل 260 ملعب كرة قدم،
في تطور أعاد فتح النقاش حول تأثير رؤوس الأموال الأجنبية على مستقبل المدينة وأوضاع سكانها.
من تداعيات الربيع العربي إلى صفقات بمليارات الجنيهات

تعود جذور هذه الاستثمارات إلى عام 2013، عندما سعت الحكومة البريطانية،
برئاسة ديفيد كاميرون، إلى تعزيز العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة،
في ظل توترات سياسية مرتبطة بموقف أبوظبي من جماعة الإخوان المسلمين
عقب سقوط الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وصعود محمد مرسي إلى الحكم.
وفي هذا السياق، طُرحت مقترحات استثمارية بالتعاون
مع مجلس مدينة مانشستر، كان من أبرز نتائجها مشروع «مانشستر لايف»،
الذي أُطلق بشراكة مع أبوظبي باستثمارات مستهدفة بلغت مليار جنيه إسترليني،
لتطوير آلاف الوحدات السكنية في مناطق وسط المدينة، خاصة أنكووتس.

وبموجب الصفقة، باع المجلس قطعة أرض مميزة بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني،
مع منح الجانب الإماراتي أولوية في بعض المشروعات المستقبلية.
آلاف الوحدات السكنية.. وفجوة بين الوعود والواقع
رغم أن المشروع استهدف توفير أكثر من 6 آلاف وحدة سكنية،
فإن شركة «مانشستر لايف» أنجزت 2039 وحدة فقط،
بينما أضاف مطورون آخرون 2839 وحدة، ليصل الإجمالي إلى 4878 وحدة،
وهو أقل بنحو 20% من العدد المستهدف.
وأثار توزيع الوحدات تساؤلات إضافية، إذ لم تتجاوز نسبة العقارات المصنفة ضمن
الإسكان الاجتماعي والميسر 8% من إجمالي الوحدات المنجزة،
وفقاً للتحليل المنشور، بينما لم توفر شركة «مانشستر لايف» وحدات ضمن هذه الفئة.
وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات في مناطق شهدت تحولاً عمرانياً واسعاً،
ما أثار مخاوف من اتساع الفجوة بين السكان المستفيدين من الاستثمارات الجديدة
والأسر التي تواجه صعوبات في الحصول على سكن مناسب.
أبراج فاخرة في مواجهة الفقر وبنوك الطعام

سلط التحقيق الضوء على التباين الواضح بين الشقق الفاخرة والمطاعم الراقية التي انتشرت في مناطق التطوير،
وبين الأحياء القريبة التي تعاني من الفقر والحاجة إلى المساعدات الغذائية.
وفي محيط ملعب الاتحاد، معقل نادي مانشستر سيتي، توجد مناطق من الأكثر حرماناً في إنجلترا،
إلى جانب مواقع لتوزيع الطعام على المحتاجين، رغم قربها من مشروعات عقارية حديثة تستهدف أصحاب الدخول المرتفعة.
وحذر مارك بليك، الرئيس التنفيذي لبنك الطعام المركزي في مانشستر،
من أن هذا التفاوت قد يثير استياء السكان، خاصة في ظل أزمة تكاليف المعيشة.
كما أشار أعضاء بالمجلس المحلي إلى تصاعد الشعور بأن السكان لا يحصلون
على نصيب عادل من المكاسب الاقتصادية التي تحققها المدينة.

وتواجه مانشستر، بحسب التحقيق، أزمة إسكان تضغط على آلاف الأسر،
في وقت تضم فيه قائمة انتظار الإسكان الاجتماعي نحو 20 ألف شخص.
قروض بملايين الجنيهات تضع أندي بورنهام تحت التدقيق
وامتدت التساؤلات إلى رئيس الوزراء البريطاني أندي بورنهام،
الذي تولى منصب عمدة مانشستر الكبرى عام 2017، بعدما وافق بعد فترة قصيرة من توليه المنصب على قرض بقيمة 55 مليون جنيه
إسترليني لشركات عقارية مرتبطة بالشيخ منصور بن زايد آل نهيان، مالك نادي مانشستر سيتي.
وقالت هيئة مانشستر الكبرى إن القروض كانت متاحة للمطورين الذين يستوفون شروط التمويل،
وإن المبالغ سُددت بالكامل، لكن لجنة الرقابة التابعة للهيئة تحقق حالياً في القرارات المرتبطة بهذه المعاملات.
وزادت التساؤلات بعدما ظهرت تفاصيل لقاءات بين بورنهام ومسؤولي النادي
لم تكن جميعها مدرجة في السجلات العامة سابقاً، من بينها لقاء سبق الموافقة على القروض،
فيما أكد بورنهام أنه طلب مراجعة شاملة للسجلات لضمان الشفافية.
اتفاقيات سرية وأسئلة حول المال العام

كشف التحقيق أيضاً عن اتفاق تعاون مدته عشر سنوات وقّعه مجلس مدينة مانشستر مع أبوظبي في ديسمبر 2015،
منح الجانب الإماراتي أولوية في بعض الأراضي القريبة من وسط المدينة.
وتضمنت الاتفاقية بنداً يقيد إعلان المجلس عن الصفقة دون موافقة كتابية من شركة الشيخ منصور،
وهو ما أثار انتقادات بشأن مستوى الشفافية في التعاملات بين السلطات المحلية والمستثمرين.
وقدرت قيمة العقارات المرتبطة بهذه الاستثمارات بنحو 350 مليون جنيه إسترليني،
بينما أعلن المجلس حصوله على ما يقرب من 3 ملايين جنيه من اتفاق لتقاسم الأرباح،
إضافة إلى 17.6 مليون جنيه من ضرائب العقارات،
إلا أن التفاصيل الكاملة للعوائد وشروط الاتفاقيات لا تزال محل تساؤل.

كما أثار شراء المجلس موقعاً تجارياً سابقاً بقيمة 42 مليون جنيه إسترليني عام 2017 جدلاً بشأن تكلفة الأراضي وطريقة اتخاذ القرارات،
خاصة مع ظهور مخاوف داخلية من المبالغة في تقدير قيمة بعض الأصول وتأثير الشراكات على التخطيط العمراني.
مراجعات رسمية ومخاوف بشأن مستقبل مانشستر
وفي أعقاب تصاعد الانتقادات، أُجريت مراجعات لصفقة «مانشستر لايف»،
خلصت إحداها إلى أن الاتفاقيات مع المطورين حققت فوائد مهمة للمدينة،
لكنها أشارت أيضاً إلى نقاط ضعف في التوثيق والمتابعة والرقابة،
خاصة فيما يتعلق بترتيبات تقاسم الأرباح.
وحذر باحثون من أن اعتماد نموذج التنمية في مانشستر على تدفقات الاستثمارات الدولية قد يثير مخاطر طويلة الأجل
لا سيما مع تزايد التساؤلات حول مستقبل المشروعات العقارية المرتبطة بالشيخ منصور،
في ظل الضغوط التي يواجهها نادي مانشستر سيتي على خلفية قضية المخالفات المالية.

وفي المقابل، دافع ريتشارد ليس، الرئيس السابق لمجلس المدينة، عن الاتفاقيات،
معتبراً أنها حققت نجاحاً كبيراً لمانشستر، بينما نفت السلطات المحلية وجود معاملة تفضيلية غير مبررة للمستثمرين الإماراتيين.
وتعيد هذه التطورات طرح سؤال أساسي حول حدود الشراكة بين الحكومات المحلية ورؤوس الأموال
الأجنبية: هل تستطيع الاستثمارات الكبرى تحقيق التنمية المنشودة لجميع السكان،
أم أنها قد تعمق الفوارق الاجتماعية رغم ما تضيفه من مشروعات وعوائد اقتصادية؟



