الإمارات بين طهران وواشنطن.. كيف تعيد أبوظبي رسم سياستها بعد حرب غيرت قواعد المنطقة؟

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تسعى دولة الإمارات إلى إعادة ضبط علاقاتها الإقليمية بعد المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران، عبر موازنة دقيقة تجمع بين تهدئة التوترات مع طهران وتعزيز الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأوضح التقرير أن أبوظبي بدأت خطوات تدريجية لإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إيران، بعد أن تعرضت لأكبر أزمة أمنية منذ تأسيس الدولة عام 1971، في وقت تعمل فيه على تعزيز قدراتها العسكرية وحماية بنيتها التحتية الحيوية. ويكشف التحرك الإماراتي عن استراتيجية تقوم على تقليل المخاطر وعدم الاعتماد على خيار واحد، بعدما أظهرت الحرب أن الموقع الجغرافي لدول الخليج يجعلها عرضة لتداعيات أي صراع واسع في المنطقة، رغم امتلاكها أنظمة دفاعية متقدمة وتحالفات دولية قوية.
الإمارات تعود إلى سياسة التوازن مع إيران بعد التصعيد العسكري
أشار التقرير إلى أن الإمارات بدأت خلال الأشهر الماضية خطوات لإعادة فتح قنوات التواصل مع إيران، بعد فترة شهدت تصعيدًا كبيرًا تعرضت خلالها مصالحها لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ.
وبعد التوصل إلى هدنة هشة بين الولايات المتحدة وإيران، اتجهت أبوظبي إلى تخفيف حدة المواجهة، من خلال السماح باستئناف بعض الرحلات الجوية الإيرانية وعودة آلاف الإيرانيين المقيمين في الإمارات الذين كانوا خارج البلاد عند اندلاع الحرب.
ويرى مسؤولون إماراتيون أن هذا التحرك لا يعني التخلي عن التحالفات الأمنية القائمة، بل يمثل محاولة لإدارة العلاقة مع خصم إقليمي كبير بطريقة أكثر واقعية، تجمع بين الردع والحوار والمصالح الاقتصادية.
حرب الصواريخ والطائرات المسيّرة أعادت حسابات الأمن الخليجي
كشف التقرير أن الإمارات تعرضت خلال المرحلة الأولى من الحرب لهجمات مكثفة شملت آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما شكل اختبارًا غير مسبوق لقدراتها الدفاعية وأمن منشآتها الحيوية.
ورغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية، المدعومة بتقنيات أمريكية وإسرائيلية وكورية جنوبية وأوكرانية، في اعتراض الجزء الأكبر من التهديدات، فإن الهجمات أظهرت حجم المخاطر التي تواجه الدول الخليجية في حال اندلاع مواجهة طويلة.
ودفعت هذه التطورات أبوظبي إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الوطني، بحيث لا يقتصر على امتلاك أسلحة متطورة فقط، بل يشمل أيضًا حماية سلاسل الإمداد والطاقة والبيانات والمرافق الاقتصادية.
العلاقات الاقتصادية مع إيران تعود إلى الواجهة
أكد التقرير أن العلاقات التجارية بين الإمارات وإيران تمثل عنصرًا مهمًا في حسابات أبوظبي، خاصة بالنسبة لإمارة دبي التي تعد مركزًا تجاريًا رئيسيًا للتبادل مع إيران منذ سنوات طويلة.
وترى جهات اقتصادية إماراتية أن استمرار التجارة مع إيران يمثل مصلحة اقتصادية، خصوصًا في قطاعات الاستيراد وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، رغم استمرار الخلافات السياسية والأمنية.
كما أبدت بعض الجهات الإماراتية اهتمامًا محتملًا بالاستثمار في قطاعات مثل الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية داخل إيران، لكن بشرط انتهاء الحرب ورفع العقوبات الدولية المفروضة على طهران.
تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل رغم التقارب مع طهران
في الوقت الذي تعمل فيه الإمارات على تهدئة العلاقة مع إيران، تواصل في المقابل تعزيز تعاونها الدفاعي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرة أن الردع العسكري يمثل جزءًا أساسيًا من أمنها القومي.
وأوضح التقرير أن التعاون الدفاعي مع إسرائيل توسع بعد اتفاقات التطبيع، حيث حصلت الإمارات خلال الحرب على دعم بأنظمة دفاع جوي متقدمة، كما شهد التعاون بين الجانبين توسعًا في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية.
وترى أبوظبي أن الجمع بين الحوار مع إيران والتحالفات الأمنية الغربية يمنحها مساحة أكبر للمناورة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
أبوظبي ودبي تبحثان عن نموذج أكثر صمودًا بعد الحرب
دفعت تداعيات الحرب الإمارات إلى إطلاق خطط لتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات المستقبلية، من خلال حماية البنية التحتية وتقليل الاعتماد على ممرات استراتيجية معرضة للخطر.
ومن بين الخطوات المطروحة تعزيز دور موانئ الساحل الشرقي، وزيادة قدرة تصدير النفط عبر مسارات بديلة، إلى جانب تطوير مخزونات الغذاء وحماية مراكز البيانات التي ترتبط بطموحات الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي.
كما تعمل إمارة دبي على تجاوز آثار الأزمة التي أثرت على قطاع السياحة والطيران والفنادق، بعد انخفاض أعداد الزوار وتراجع نشاط بعض القطاعات الاقتصادية خلال فترة التصعيد.
ماذا يعني التحرك الإماراتي؟ وما السيناريوهات المقبلة؟
يعكس النهج الإماراتي الجديد تحولًا من سياسة الاعتماد الكامل على الردع العسكري إلى استراتيجية متعددة المسارات تجمع بين القوة والدبلوماسية والاقتصاد.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار التهدئة مع إيران، بما يسمح بعودة العلاقات التجارية تدريجيًا مع الحفاظ على التحالفات الأمنية القائمة.
أما السيناريو الثاني فيرتبط بعودة التصعيد، وهو ما قد يدفع الإمارات إلى تسريع خطط بناء القدرات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.
ويبدو أن أبوظبي تراهن حاليًا على أن المرحلة المقبلة لن تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على إدارة التوازنات الإقليمية وحماية مكانتها كمركز اقتصادي عالمي في منطقة تشهد تغيرات استراتيجية كبيرة.
إقرأ أيضا:
كيف تحولت موازين القوة بين الجيش والدعم السريع في شمال كردفان؟



